ثقافية

سالم

د. جبار حسين صبري

1

   بدأت عند أمي ترتفع كثيرا موجة التكلم مع نفسها، وبدأ صوتها كلما تكلمت يرتفع أكثر. صارت تدخن السجائر.. وكثيرا ما أرى تلعثم لسانها ودخان السجائر بين فمها والهواء. كنت أراها حزينة وغاضبة دائما. ومن لحظة موت سالم أخي الأكبر صارت لا تهتم بي. بل لمرات عدة ألحظ منها الجفاء. كانت كل يوم أثنين تملأ الطست في الحمام وتتركني ألعب بالماء لساعات طوال الا أنها منذ أشهر لم تفعل ذلك أبدا. كنت أشعر أنني لم أغير ملابسي وأنني وحيد..

2

   كان في صدري يجول ضاغطا عليّ سري الأول. لأول مرة أعرف أن الانسان يمكن أن يدخل الى نفسه سرّ ما. كان صدري حرجا من هذا السرّ الغريب.  ولأنني أخاف على مشاعر أمي وعيونها من سرّي انزويت وحيدا وخلسة وراء البيت. وقفت قبالة الحائط وجها لوجه، ولمّا تأكدت تماما أن أمي لم تعد تراني بدأ سري يتدفق على لساني حتى أنني بحت به جهرا: أمي لا تحبني. 

3

   لم أكن أعرف أبدا أن الليل من الله وأن النهار من الله. كنت أرى أمي وبعد أن نقترب أنا وسالم من حافة النوم تنشر عباءتها فوق رؤوسنا وعندها أعلم أن هذا هو الليل ولمّا ترفع عباءتها عند يقظتنا أعلم أن هذا هو النهار. ولكن بعد موت سالم عرفت أن الله يفعل ذلك وليست أمي.

4

كانت أمي كل يوم جمعة تحمل آنية على رأسها، وأنا أمشي وراءها أحسب ذرات التراب المتطايرة من بين نعليها. لم تكن تشعر بي لا عند ذهابنا الى المقبرة ولا عند عودتنا بعد الظهر منها. كانت تضع آنيتها عند واجهة قبر سالم وتبدأ بذات النغمة المتلعثمة من بين دخان سجائرها ومن بين هواء كلامها: صباح الخير وليدي.. هذا القيمر الذي تحبه والمربى والشاي..

5

ذات صباح مكرر من يوم جمعة مكررة حملت معي، وأنا أمشي وراء أمي الى المقبرة، حملت الطست. وعندما جلست أمي عند واجهة قبر سالم، وهي تردد ذات الكلمات وذات الدخان، ملأت أنا الطست بالتراب وصرت ألعب فيه. نزعت ملابسي كلها. اغتسلت به. لأول مرة تبتسم أمي بوجهي وهي تراني أغتسل بتراب المقبرة. ابتسمت في وجهها.  لقد غصّت أمي من الضحك علي. مسحت أنا دموعي من الضحك لها. ولم أسمع من بين قهقهتها الا جملة: أحبك وليدي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى