اخر الأخبار

عسكرة العشائر العراقية بين الماضي والحاضر عسكرة العشائر العراقية بين الماضي والحاضر

يسقيفقث

د. معتز محيي عبد الحميد

وينقل ديفيد مكدول أيضاً قول الرحالة ( لنج) الذي تجول في المنطقة سنة 1894 بخصوص مدى اضعاف السلطة المدنية وما رواه من حوادث قامت بها عصابات على رأسها ضباط الحميدية قائلا : ” كان الموظفون الخائفون والمجبرون على نقل مثل هذه الحوادث يختبئون وراء تعبيرات لطيفة مثل عبارة ” قطاع طرق متنكرين بزي الجنود ” ، وعلى هذا المنوال كانت السلطات المدنية عاجزة عن ايجاد سبيل يمكنهم السيطرة عليهم او اخضاعهم لارادتهم بما فيهم ولاة الولايات ” وكان لابد لمثل هذه الحالات ان تعكس صورة سلبية للدولة العثمانية في اوربا عبر سواحهم .

وخلفت الحميدية كذلك الفوضى والسلب والنهب وقطع الطرق وانعدام الامن وزعزعة الاستقرار ، بخلاف ما كان السلطان قد تنبأ به من ان خطوته في تشكيل الحميدية سوف تدفع برؤساء العشائر الى شيء من النظام فكيرا ما كانت الحميدية تخرج عن نطاق السيطرة وتصبح قاطعة طرق همها السلب والنهب ، وفي عهد الاتحاديين كانوا يخرقون القانون ويتمردون عليه وخاصة في المناطق الحدودية الشرقية ” رأسا على عقب ” حيث شهدت مدة وجودهم انبعاثا في الروح القبلية ، وفي كثير من الاحيان لم تتمكن حتى السلطات البوليسية من ايجاد الوسائل اللازمة للتغلب عليهم ودرء نهبهم عن القرى المسيحية والمسلمة بضمنها القرى الكوردية وجاء في توصيات وتعليمات مرسلة من الخارجية الروسية الى سفاراتها في استانبول سنة 1894 ان روسيا معنية باعادة الامن والاستقرار والهدوء في الولايات الشرقية للدولة العثمانية ولكن وجود الحميدية يشكل عقبة جدية لاعادة الهدوء ، فاصبحت الفوضى مسيطرة في المناطق الشرقية كما اصبح غياب الامن كاملا ، وصار انعدام النظام مقياس الحياة في الداخل والحالة تتجه نحو التدهور باستمرار .

وفي سنة 1901-1904 اعلن ابراهيم باشا حركة بعد ان ساءت علاقاته مع الموظفين الحكوميين ، فنهبت القوات الحميدية التابعة له من كانوا خاضعين لسيطرته من المسلمين والمسيحيين ، وتصرف حسب هواه في المناطق الواقعة بين ديا بكر وشمال سورية . وفي سنة 1907 دمرت قواته عشرات القرى الكوردية والمسيحية وحاصر ديار بكر مع انه كان يعبر عن خضوعه للسلطان عبر ارساله الهدايا له ، فاستاء الكورد والترك والارمن والعرب من تصرفاته ، حيث كان يعتدي على بعض العشائر العربية البدوية أيضاً في بعض المناطق من سورية وحدثت حالات توتر ، وكثيرا ما كانت العشائر العربية تعقد الاحلاف لصد غاراتهم عليهم ، واصبح لبعض القادة الحميديين بمن فيهم ابراهيم باشا الميراني من النفوذ حد اثر في زعزعة حكم السلطات في المناطق الخاضعة لهم و”هددوا السلطان نفسه ” وعلى رغم ما في هذه العبارة من مبالغة فانها تدل ، على قوة وهيمنة بعض القادة الحميديين وعبثهم في بعض المناطق .

وفي شكوى وقعها 250 شخصا من اهالي ديار بكر الى رئيس ( دائرة الكتاب) في قصر السلطان عبد الحميد الثاني ( غازي ادهم باشا ) سنة 1907 جاء ان الميللين من اتباع ابراهيم باشا متشبثون بالسلب والنهب وان خدمتهم العسكرية للدولة اصبحت ” عارا” على العسكرية العثمانية ، وانهم يستخدمون السلاح المعطى لهم من الحكومة ضد عساكر الدولة النظاميين ، وان الباشا هو نقيض الامن وعدو له ، وهو عدو الشعب والعلماء والشيوخ ، وان اتباعه لا يتبعون سلسلة المراتب المعلومة في الجيش ، وهم لا يتقيدون بالنظام وهم مجموعة لصوص ، وهو ” أسوأ من أبي جهل ” ، وان الاستياء كبير بين العلماء والشيوخ والوجهاء على تصرفاته المهددة للاستقرار في ولايات ديار بكر واورفة وماردين ، وطلبوا من ادهم باشا ضرورة التخلص منه للحفاظ على سمعة الجيش ، ويستنتج من هذه الشكوى مدى الفوضى التي خلقها الحميدية في الولايات المذكورة ، كما ستنتج انهم في كثير من الاحيان اصبحوا وبالا على الدولة واثاروا سخط الشعب بشرائحه المختلفة .

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى