أسرار من حياة نوري سعيد جده جلب الإحتلال العثماني وكولونيل ألماني غير مجرى حياته

قبل ثلاثة قرون.. كان هناك ملا في بغداد عرف باسم ( لو لوا ) ( جد نوري سعيد الاكبر) وكان فخوراً بأن لديه مسجداً في العاصمة العراقية بغداد وقد تولى مسؤولية القيام بشؤونه فكان بمثابة الوطن بالنسبة له.. قرر لولوا في ذلك الوقت ان يشد الرحال الى العاصمة العثمانية، وقد مشى فعلاً على مدى ستة اشهر حتى وصل الى تركيا، وقابل السلطان العثماني عارضاً شكواه.
عاش السلطان مشاعر متشابكة، حينما شاهد لولوا امامه، فهذا الرجل قد مشى على قدميه على مدى ستة اشهر وحمل معه قصصاً اغضبت السلطان العثماني، ومن هنا قرر ارسال جيش مع لولوا حالما انتهى من سرد قصته ولكن صدمة لولوا كانت كبيرة حينما وجد زوجته واطفاله قد قتلوا حالهم حال عدد كبير من سكان بغداد، ولكن السلطان قرر الوقوف مع لولوا ومنحه ليرتين كراتب شهري كما ارسل احدى حريمه الملكيات التركيات ذات عيون زرقاء الى (لولوا) لكي يبدأ الرجل المسكين الحياة من جديد وتستمر سلسلة وارثيه حتى وصلت عام 1888 الى طفل صغير حمل ذات العينين الزرقاوين المشعتين وسمي تبعاً لذلك بإسم (نوري).
قبل اربعين عاما من سحله في شوارع العاصمة العراقية بغداد، كان نوري السعيد جنديا مشهوداً له بالشجاعة، وكان يثبت صحة النظرية القائلة ان الثورة العربية قد تنجح اذا اعتمدت على رجال من نوعية نوري السعيد أو نوري (باشا) كما اصبح يدعى فيما بعد.
في تلك الاوقات العصيبة كان (البكباشي) جمال عبد الناصر الذي اصبح رئيساً لمصر لايزال طفلا في لحظاته الاولى ويبدو انه لم يكن يعي وقتها انه سيكون سببا في قتل احد اهم رجالات العراق واكثرهم تزعما لكرسي رئاسة الوزراء على يد ثورة قادها عبد الكريم قاسم او (كرومي) كما كان يحب ان يدعوه السعيد.
وقد رحل نوري تاركاً وراءه العديد من الانجازات التي لا يحب ذكرها منتقدوه فهو من مؤسسي الجامعة العربية ووثيقة ضمانها الجماعي… تلك الوثيقة التي كان البكباشي قد اعتمد عليها مع الملك سعود بن عبد العزيز ضد نوري الساعي لاتمام حلف بغداد ليبعد خطر الروس القابعين على بعد 30 كيلومترا منه فكان الادعاء ان نوري يريد سلخ العراق من (الامة العربية) ويجر معه لبنان وسوريا والاردن وجاءت الايام وذهبت الايام واثبتت ان العراق كان اخر من انضم الى حلف امريكي مر بمصر ثم السعودية ووصل العراق بفضل الحكومات الثورية التي جاءت على دماء بعضها البعض.
ولد نوري السعيد لعائلة متوسطة الحال في العاصمة العراقية بغداد عام 1888 ولم يعرف تاريخ ولادته الكامل، كان والده يعمل محاسبا في الحكومة العراقية وهو ينتمي لعشيرة القرغولي العراقية ذات الاصول القوقازية.
كان الجيش هو المصير الانسب لمن ولد في ظروف نوري السعيد في عائلة عراقية طيبة الذكر والاصل حيث درس في كلية عسكرية كانت بدورها تعد الطلبة للانتقال الى الاكاديمية العسكرية في اسطنبول،
درس نوري على يد ضابط الماني هو فان لوسو، وكان وقتها نوري ضابطاً تركياً صغيراً يستعد للدخول الى الحرب العالمية الثانية “كانت الاموال التي اتيحت لي قليلة ولكنني درست في النهاية”.
خلال احد الدروس، كلفت مجموعة من الضباط بالهجوم على قرية مزعومة فيما قامت المجموعة الثانية بالهجوم عليها وكان السعيد على راس المدافعين، ولان التحصينات كانت قليلة في القرية قرر السعيد من مبدأ انساني ان يسحب قواته لمواجهة القوات الهجومية خارج القرية.. وقد كان هذا لافتاً وكان هذا الدرس من اهم العوامل المؤثرة في حياته.
ويتذكر نوري تلك اللحظات بالقول “قرر الكولونيل ان يوقف التمرين وقرر القاء محاضرته على مدى ساعتين ونصف الساعة، قائلاً ان التحصينات دائماً تكون قليلة، حتى وان اردت الدفاع عن قريتك اليوم فأن الدفاعات واسلحتك الحديثة ستكون قديمة في اليوم التالي بسبب وجود اسلحة وتكتيات جديدة، واكد ان القائد الناجح يجب ان ينجح في الدفاع عن قريته بالموارد المتاحة، المسألة مسألة واجب وطني، ومن اجل ذلك يجب على القائد ان يستخدم عقله وطاقته بما وضع بين يديه، حتى وان تسبب ذلك في سقوط القرية في نصف ساعة لان بعد ذلك سيعني محاكمة ورصاصة فقط”.
ما قاله الكولونيل الالماني كان درساً سيرافق السعيد طوال حياته “لقد اعطاني كلامه الفكرة التي خصصت لها حياتي فيما بعد، وهي ان تكون عملياً، وان لا تكون مثالياً، من ينتقدونني دائما يريدون مني ان اكون مثالياً، فاذا كل شيء يأتي كما تشتهي فما نفع مصطلح (القدرة)؟ هذا ما اؤمن به: ان لا تكون مثالياً، استخدم ما هو تحت يديك، لا تنتظر حتى يكون كل شيء مثالياً لكي تتحرك، وتفقد في النهاية فرصتك”.
كان لنوري دور كبير في حشد الدعم لطرد الاستعمار الايطالي من ليبيا حينما ارسل هناك عام 1912 لمساندة المقاومة الليبية بقيادة عمر المختار الذي اعدم فيما بعد، وخلال الحرب العالمية الاولى بدأ خطواته الاولى من الاقتراب من العائلة الهاشمية التي عدّته احد الوجوه في سياسة العراق الجديدة مع تأسيس العراق في وقتها.
كان سعيد قد تحول الى ناشط عربي في جيش الامير فيصل بن الحسين امير الحجاز قبل ان يتم ارضاء الاخير بمنصب حاكم سوريا ثم العراق بعد طرده من دمشق، بدأ الامير في بغداد البحث عن رجال سبق له الاعتماد عليهم في الوغى ايامها وكان نوري احد هؤلاء ومن هناك كانت البداية.
كان نوري السعيد على رأس القوة العربية التي دخلت الى دمشق لتحريرها من الدولة العثمانية عام 1918 قبل ان يخسر الامير فيصل دمشق لصالح الفرنسيين في عام 1920 وينفى نوري السعيد الى العراق، وبعد انتقال فيصل الى العراق عينه مديرا عاما للشرطة عام 1922 ليكون اول مدير للشرطة في تاريخ العراق وقد قام بتعيين رجالات جيشه في هذا الجهاز وهو تكتيك استخدمه فيما بعد في كل وزارته الاربع عشر التي اسسها في بعد والتي شهدت استعانته برجالاته المقربين.




