في رحاب الشهر الفضيل
رمضان المبارك، شهر التوبة والمغفرة الذي يتميز عن بقيةِ شهور السنة الهجرية، بوصفه الشهر الوحيد الذي ذُكر اسمه في القرآنِ الكريم، أصبح من وجهةِ نظر كثير من تجارِ اليوم موسماً مثالياً لتنميةِ مداخيلهم وزيادة ثرائهم على حسابِ شظف عيش الفقراء والمعوزين، حيث يعمد أغلب التجار الموردين إلى استثمارِ طقوس العائلة العراقية المميزة في استقبالِ الشهر الفضيل المتمثلة بتزايدِ إقبال المواطنين على السوقِ المحلي، وتوظيفها بسبلِ شائكة تفضي في نهايةِ المطاف إلى رفعِ أسعار المواد الغذائية التي يتحمل تبعاتها المستهلكون، ولاسِيَّمَا ذوو الدخل المحدود، من جملتها إعلان تخفيضات وهمية لمناسبةِ حلول الشهر الفضيل، بغية تحقيق أعلى مستوىً من الأرباح. وأدهى من ذلك تزامن هذا الواقع مع غيابِ مفردات الحصة التموينية في بعضِ الأحيان أو وصولها على استحياءٍ في أحايينٍ أخرى على الرغم من كونِها ضمانة لإدامةِ حياة طيف واسع من أصحابِ الدخول المحدودة وربما المعدومة في عراق الخيرات والثروات المتعددة.
يمكن القول إن غيابَ رقابة الأجهزة المختصة بحركةِ السوق المحلي، إضافة إلى إغفالِ الوزارات المعنية بالأمرِ مهمة تفعيل التشريعات النافذة حول تنظيم تعاملات بيع وشراء السلع والبضائع، فضلاً عن مساهمةِ إدارة التجارة في تصدعِ الحصة التموينية وتحولها لنظامٍ مشلول، أدى إلى انفلاتِ كثير من الحلقاتِ الضابطة لحركةِ السوق وتنظيمها، جانبِ التأسيس لظهورِ طبقة من الاحتكاريين والنفعيين والطارئين على عالمِ التجارة الذين يموه اكثرهم بالورعِ والتقوى، ويقيناً لا سبيل لتخليصِ المجتمع من آثامهمِ من دونِ تفعيل سلطة القانون.
مع إطلالة الشهر الكريم على أمتنا الإسلامية هذا العام، وفي ظلِ تهاون الجهات المسؤولة عن متابعةِ شؤون السوق المحلي وتنظيم آليات مساراته، أقدمت بعض منظمات المجتمع المدني، فضلاً عن شخصيات اجتماعية لا ترتبط بأي جهة حكومية أو حزبية بجمعِ مساعدات لإعدادِ ( سلة غذائية رمضانية ) من أجلِ توزيعِها على العوائلِ الفقيرة المتعففة، إضافة إلى عوائلِ شهداء قواتنا المسلحة ومتطوعي الحشد الشعبي الأبطال. وقد تبنت بعض هذه الجهاتِ مهمة إيصالِ المساعدات إلى منازلِ المواطنين الذين شملتهم هذه المبادرة التكافلية. ويضاف إلى ذلك قيام بعض الجهات التي جرت الإشارة إليها فيما تقدم بتوزيعِ بعض المستلزمات الطبية التي تم تأمين مفرداتها بأسلوبِ التبرعات على متطوعي الحشد الشعبي والقوات الأمنية في مختلفِ قواطع العمليات.
المفارقة الغريبة تتجسد بقدرةِ أشخاص أو تجمعات صغيرة غير مدعومة من أي طرف على مدِ يد العون لأبناءِ جلدتهم من العوائلِ الفقيرة، فضلاً عن استمرارِها برفدِ معركتنا مع العصاباتِ الإرهابية والدول الداعمة لها منذ عام بما متاح من تبرعاتِ الغيارى في وقتٍ تخفق فيه وزارة معنية بتنظيمِ النشاط التجاري في البلادِ على مدى أكثر من عقدٍ من الزمانِ على الرغمِ من ضخامةِ مواردها المادية والبشرية.
في أمانِ الله.
لطيف عبد سالم العگيلي



