ادباء: اغتيال علاء مشذوب نقطة مفصلية في تاريخ الادب العراقي الحديث

المراقب العراقي/ القسم الثقافي…
مرت امس الثاني من شهر شباط الذكرى السنوية الأولى لرحيل الروائي علاء مشذوب، الذي اغتالته عناصر إرهابية كانت تستقل دراجة نارية في أحد أزقة منطقة باب الخان بكربلاء المقدسة، التي حملت عنوان واحدة من أهم رواياته «جمهورية باب الخان». وقد شكلت عملية الاغتيال في حينها صدمة كبيرة ليس في العراق وحسب، بل في الأوساط الثقافية العربية والعالمية.
الناقد علي حسين يوسف يقول في تصريح لـ(المراقب العراقي): كان الثاني من شباط من العام الماضي يوما استثنائيا للثقافة العراقية بصورة عامة، ليس لأن الموت اختطف روحا حميمة قريبة منا جميعا، وليس لأن يداً مجهولةً اقتطعت ذاك الغصن من شجرة الأدب العراقي، إنما شكّل اغتيال علاء مشذوب بالنسبة لنا جميعا، حادثا مروعاً، لذا ليس من المبالغة القول إن وطأة رحيله كانت معادلا موضوعيا لصحبة دامت سنوات طوال، ولجولات في شوارع كربلاء، وجلسات صاخبة وحيوية في مقاهيها ونواديها، لم يُترك فيها موضوعُ إلا ووضع على طاولة المناقشة، فمن عادة علاء أن يسأل عن كل شيء مهما صغر أو كبر، فقد ينشغل ساعات، وربما ينشغل أياما في مسألة تبدو للبعض تافهة لا تستحق التفاتة، وربما يقوده انشغاله إلى الكتابة عنها صفحات أو مقالا عامرا إلى الحد الذي قد يتساءل المرء ماذا كان يقصد علاء من كل ذلك؟ إلا أن السرّ بالنسبة لنا واضحٌ ومعروف، فمشذوب وظّف قلمه لتدوين كل ما صادفه أو شاهده أو مارسه أو سمع عنه، وهكذا كانت كتاباته كلها بدءاً من «ربما أعود إليك» ومروراً بـ»زقاق الأرامل»، «خليط متجانس»، «مدن الهلاك»، «فوضى الوطن»، «جريمة في الفيسبوك» وانتهاء بـ «حمام اليهودي» و»موجز تاريخ كربلاء» و « شيخوخة بغداد »،
أما الروائي حميد الربيعي يقول في تصريح لـ(المراقب العراقي): ان عملية اغتيال علاء مشذوب استمرارا للمنهج، الذي كان متبعا أيام الدولة القومية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، إذ تتم التصفية الجسدية للخصوم، بالذات المثقفين، ضمن مفهوم المصلحة العليا للسلطة الحاكمة، في تلك الفترة لم يكن ثمة مجال للرأي الآخر، على اعتبار أن كل شيء يجري «من أجل المعركة» وهو مفهوم تكرس بمرور الزمن، وأصبح شاهدا تاريخيا على تلك الحقبة وأهوالها. في هذه الفترة، رغم التغيير الذي حدث في بنية المجتمعات وسقوط الدولة القومية، لم تتغير تلك الذهنية في قتل الآخر، ، لهذا أصبحت ظاهرة الاغتيالات مشاعة على نطاق واسع في هذه الفترة، على عكس من الدولة القومية، حيث كانت التصفية تتم على أيدي رجال المخابرات، في حين تنتشر الآن العصابات الإرهابية بدون رادع أخلاقي أو إنساني،. فعملية اغتيال علاء مشذوب نقطة مفصلية في التاريخ العراقي الحديث، بالذات في جانبه الثقافي والمعرفي، فالرجل لم يكن معارضا سياسيا، بقدر ما كان يبحث وينقب في تاريخ المكان، في مدينته التي تعج بالحوادث والذكريات، واعتقد أن التضامن المحلي والعربي والعالمي مع حادثة الاغتيال تؤكد فداحة الأمر.
الباحث والناقد صباح محسن كاظم يقول في تصريح لـ(المراقب العراقي): قد تنزل الصواعق على رؤوسنا في العراق كأننا البقعة الوحيدة في الكرة الأرضية التي لا تغادرها المآسي والخسارات، لا يمر يوم من نصف قرن لليوم إلا وتحمل الأكتاف شهيداً تطوف به مدننا المنكوبة بالأحزان. الشهيد علاء مشذوب خسارة رجل بوطن ووطن برجل حمل همومه بالأدب، ووظف قلمه لمعاناة المجتمع، إنه ثروة سردية، وتحليل بقمة الوعي للرسالة التلفزيونية والسينمائية برؤى معاصرة، إن قتل علاء وأد للمشروع الثقافي الحر، وطمس كلمة الحق، وأقول.. نم قرير العين صوتك يدوّي يُطالب بالحقوق، وعراق آمن للمثقف فيه الدور الفاعل، لا للارهاب ولا للسراق، والغرباء.. وطن خالص للفقراء وكل من يحب العراق.
الروائي محمد علوان جبر تساءل في تصريح لـ(المراقب العراقي): لا أعلم لماذا يخاف الارهابيون الملثمون الأولاد المرحين؟ كذلك لا أعلم لماذا يضعون آذانهم قرب ذبذبات الأثير وهي تنقل لهم قفشات الأولاد الساخرين، الأولاد الذين كبروا ولم يتخلوا عن مرحهم وجمال أرواحهم؟ هكذا كان العزيز الراحل علاء مشذوب، وضع تحت مرقاب أولئك الملثمين، وهم يتابعون مرحه وشغفه بالإبداع والنشاطات الثقافية .أذكر ذات مرّة أنني استغللت إدارتي لجلسة أدبية، وناديت على اسمه ليشارك، وبلا تردد نهض مرتجلاً كلمة رائعة عن الرواية العراقية، وكونها سجينة حدود شارع المتنبي، ولهذا يجب أن نعمل على إطلاقها عربيا وعالميا.
الروائي وارد بدر السالم يقول في تصريح لـ(المراقب العراقي): لم يكن علاء مشذوب أول المسجلين أسماءهم في مدوّنة الموت الكبرى التي تجري في العراق. ولا آخر الراحلين عن مشهد الحياة العراقية في سردياتها المثيرة للأسى، لكنه كان أحد الذين يواجهون هذه المدوّنة بضمير يقظ وشهادة صادمة، قالها في أكثر من مناسبة وأكثر من رواية، لذلك دفع حياته ثمناً ليكون شاهداً حقيقياً في مرثاة البلاد الكبيرة. بعد أن كان شاهداً محايثاً للجريمة. فمقتل مشذوب ــ السينمائي جداً ــ كان علامة من علامات انهيار الآخر المنطوي تحت راية ارهابية متطرفة، لتكتب صفحة دموية من صفحات الغدر التي تتستر تحت غطاء غير قادر على المحاورة والحوار، في جدلية الحياة العراقية المعقدة. وبالتالي فإن القتلة الأميين، الذين أطلقوا رصاصهم على جسد مشذوب لم يصيبوا روحه بالضبط. والدليل أن رواياته بقيت حية وذكراه غير ملتبسة علينا.



