العقل العربي ورهابات الحوار المفتوح

علي حسن الفواز
هل يمكن للمثقفين العرب أن يفتحوا حوارات أو سجالات شجاعة مع بعضهم بعضا؟ وهل هناك إرادة حقيقية لإقامة وإدارة مثل هذه الحوارات، والقبول بها سياسيا؟ وهل يمكن البحث عن قضايا مشتركة وعميقة وقريبة من الهمِّ القومي لغرض وضعها على الطاولة؟ وهل ثمة من يُبادر لإقناع الحكومات العربية المتشاكلة، سياسيا وأمنيا، بضرورة وأهمية دعم هذا التوجّه الصعب والحالم؟
هذه الأسئلة وغيرها قد تبدو رومانسية، وربما غير واقعية، وفي ظل ظروف تاريخية وصراعية معقدة، لكنها في العمق تستحق الانتباه والمراجعة، ليس لأننا نريد ممارسة نوع من استعادة مجدنا التليد، بل لأنّ طبيعة الأزمات والصراعات قد وضعت «العقل العربي» أمام اختبارات صعبة، على مستوى الهوية، أو على مستوى المصير، أو مستوى اللغة والحوار المُلتبس مع الآخر.
ما يجري في واقعنا العربي باعث على الشجن، وعلى الإحساس بالهزيمة، التي قد تكون هزيمة رمزية بالمعنى التاريخي، لكنها تحمل معها حساسية من يبحث عن وجود لغوي أو هوياتي قابل للتنافس، ولإثبات الوجود، فنحن بعد هزيمة 1967 فقدنا كثيرا من «هويتنا» الصوتية، مثلما فقدنا كثيرا من التاريخ، وهذا الفقدان أورثنا رعبا داخليا، وهوسا بالبحث عن التعويض، بما فيه التعويض العسكري، حتى أننا وضعنا «حرب تشرين»، وكأنها الردّ المعنوي الكبير على الهزيمة. الهزيمة تشبه الفقدان والخسران، وبقطع النظر عن علاقتنا مع الآخر القوي، أو الآخر الأيديولوجي، فإن هذه العلاقة تحمل معها حساسية ذلك الآخر، الذي ينظر لنا بوصفنا آخر يعاني من فوبيا الهزيمة الحضارية والعسكرية، وعلاقتنا معه لا تعدو أن تكون شبيهة بالعلاقة بين الحقل والناطور، وهي علاقة بائسة في جدواها وفي حساباتها..
التفسير الثقافي للعلاقة مع الآخر يكشف عن سيكولوجيا الرعب، وعن اختلال توازنها، ولا شيء في المجرى النقدي يدفع باتجاه تجريد الفكر العربي من قوته، ومن فاعليته، ومن أسئلته. وحدها السياسة العربية هي التي تُبرر جدوى العلاقة والحاجة العميقة لها، وتمنح الناطور توصيفات فائقة بين البطل والمخلّص والعرّاب، والحامي والمُسلّح، وغيرها، وهي في التقييم الوصفي تكشف عن ضعفنا، وعن عدم قدراتنا على إعادة إنتاج فكرة الناطور القومي.



