“سيرة ظل” الواقعي والخيالي عن العراق واهله

المراقب العراقي/ متابعة…
رواية «سيرة ظل» للروائية العراقية المغتربة في البرازيل نضال القاضي ، شاءت لها كاتبتها أن تنهل من الواقع المعيش، وأن تأخذ من التأريخ العراقي القريب، أواخر أيام الدولة العثمانية، وأضافت لها قسما أخيرا ليؤرخ لسنوات ما بعد عام 2003، إذ يرد ذكر القائد العسكري العثماني عاكف، وما عرف بالتاريخ بـ(دكة عاكف) الذي كان يتولى الدفاع عن مناطق الفرات الأوسط، لاسيما الحلة، ومقاتلة الإنكليز في محاولتهم السيطرة على العراق، وباءت محاولته بالفشل، فالعثمانيون انكسروا قبل هذا التاريخ وغادروا بغداد في 11 مارس/آذار، 1917 وانتهت الحرب خريف عام 1918، فالرواية إذ تأخذ من التأريخ القريب، ما كانت تتكئ عليه اتكاء مباشرا، بل يأتي لربط الأحداث، فالقاصة ما كانت تكتب تأريخا روائيا، أو رواية تاريخية، لذا لجأت إلى الابتعاد عن دقائق الأحداث، وعدم النقل الفوتوغرافي التأريخي لها، فهي تتحدث عن ملكة في العراق، والعراق ما حكمته ملكة بل ملك، إذ تقول وهي تسرد وقائع الحرب التي خاضتها الجيوش العربية ضد قيام الدولة الصهيونية في 15 مايو/أيار 1948 «وكانت قوافل الفلسطينيين قد وصلت إلى بغداد للتو، وبدأوا ينزلون في النوادي والمدارس ودور الأوقاف، وكان رأي الملكة في حينها، أن ترفع وكالة الغوث يدها، فالمملكة أولى بهم، غير أن الوقت لم يمهلها فقد سقط العرش، وتركوا على هامش الحياة منسيين تحت ذريعة ألا ينسوا وطنهم».
كما أن سلاح الجو البريطاني ما كان يقصف الناس في شارع الرشيد، الروائية تتلاعب بالأحداث الواقعية، لأنها – كما قلت لا تكتب تأريخا بل رواية ـ فتأخذ من أحداث ثورة العشرين، لتردفها بأحداث وثبة يناير/كانون الثاني عام 1948، في نصها هذا: «ولا شك في أن تلك الطيور التي تحلق وطيئا، عرفت ذلك الزقاق من قبل تحديدا، حين أطل شمران وعهدي مرة من إحدى الشرفات، ليصورا لقطات نادرة وأثيرة لتلك الجموع المتظاهرة، وهي تجتاز جامع الحيدرخانة ومقهى الزهاوي، باتجاه ساحة الملك فيصل الثاني، فيما سلاح الجو البريطاني يغير عليهم؛ فيتساقط العشرات تحت زخات الرصاص، وقد تجاوزت الطيور الجثامين المحمولة على الأكتاف، وقد دوى صوت الجواهري مكلوما في الحضرة الكيلانية وهو ينشد: أخي جعفر وبكى جعفر الخليلي في محل الساعاتي ناجي جواد، المقابل آنذاك لساحة تلك الوثبة الباسلة».
تنهل من الواقع المعيش والسيري الذاتي، وبغية التخلص من هذا الاقتراب الذي قد يجلب أذى للساردة، كون بعضه فضحا لحيوات أسر معروفة، مازال بعض أفرادها على قيد الحياة، فإنها لجأت إلى الواقعية السحرية والفانتازيا لترميم سردها
سيرة ظل تقترب في مواضع عدة من الواقع الحياتي المعيش، حتى أنها تستدعي حيوات أشخاص معروفين، فهي إذ ذكرت الجواهري الكبير وقصيدته المدوية في رثاء أخيه جعفر، كذلك الأديب الصحافي الراحل جعفر الخليلي صاحب جريدة «الهاتف»، فضلا عن الوجيه المثقف والأديب ناجي جواد الساعاتي، فإنها لا تنسى ذكر الشاعر سلمان داود محمد، أحد أعمدة قصيدة النثر في العراق، وصاحب مكتب غيوم للإعلان عند رأس شارع الرشيد من جهة الباب الشرقي، مكتب غيوم للإعلان، الذي ما أعلن شيئا، وكان مثابة للأدباء والشعراء والمثقفين من بغداد، ومدن العراق الأخرى، ومحطة استراحة لهم، ومذاكرة وتبادل كتب. مكتب للإعلان هذا ديدن صاحبه وهواه وعشقه، من أين له أن يعلن شيئا.



