اخر الأخبار

سرديات صالحة للقسوة

علي حسن الفواز

لم يجد غالب هلسا أفقا لسردياته أكثر من الأفكار بوصفها مقاربات لـ«شيفرات المقموع والمسكوت عنه» في المكان والزمان العربيين، ولطبائع ما تحمله شخصياته المأزومة، تلك التي تعيش هوسا عميقا ومكبوتا في التمرد والثورة والجنس، تُفكّر خارج المألوف دائما، وتجاهر- أحيانا- بتلك الأفكار وكأنها تتشهى الاعتراف برعبها، وخوفها وشبقها، وبنوع من التقنّع السردي الذي تستدعيه لعبة الفانتازيا الواقعية..

المكان اليومي في سرديات هلسا هو المكان السياسي والمكان النفسي ذاته بتفاصيله وحميميته وشواظه، والزمان هو زمن الصراعات والتحولات والهزائم والشعارات والاجتياحات ذاته، كما أنّ الاحداث التي اصطنع سردياتها في المكان/ المدينة لم تكن بعيدة عن ذاكرة الثوري والحزبي والمثقف، ولا عن حساسية المواطن البسيط الذي تسحقه الأوهام والاستبدادات والهزائم القومية، فهو يسردن أفكاره بشيء من السخرية، يرقب شخصياته، عبر ما تحمله من هواجس، أو ما تعيشه من تحولات، حتى تبدو «مخيلته الماركسية» وكأنها أكثر انشغالا بالوظيفة الصراعية للشخصية، ولطبيعة ما يعكسه الصراع من سمات على هوية المدينة، عبر اللغة، وعبر اليوميات، أو عبر حكايات تلك الشخصيات، أو عبر وجوه المدن المتحولة، التي يجد في تورياتها وفي تسريبها السردي إيهاما بما تحمله من أفكار أو ما تستظهره من زيف، أو بما تعيشه من صراعات وجودية دامية وفاضحة، فكريا وأيديولوجيا، حتى يبدو الأمر وكأن بطله الماركسي هو ذاته المقموع، وصاحب القناع الذي يحرك الأحداث، الذي يمارس وظيفته سردية عبر وظيفته الفكرية، ومن خلال مستويات سردية متعددة، حيث تتداخل الشخصية السردية مع شخصيات واقعية، والأحداث الواقعية مع أحداث متخيلة، وعبر لعبة استدعاءات مثيرة وماكرة، أجاد تسريدها هلسا عبر المثيولوجيا، وعبر حلم اليقظة، أو عبر الدلالة الرمزية، وهي اشتغالات استكنه من خلالها أقنعة الاستبداد، والتحوّل الأنثروبولوجي والسياسي والاجتماعي في الواقع العربي، عبر بنية المدن، بوصفها وحدة مكانية وعمرانية، أو مكانا متعاليا للتذويب الطبقي والاجتماعي، وللتطهير السياسي واللغوي.

في رواية «ثلاثة وجوه لبغداد» يلامس الروائي وجه التحولات الحادثة في مدينة بغداد، عبر قراءة العمران الاجتماعي، وفكرة الاغتراب، وعبر ما يحتشد فيها من الحكي والإيهامي والتخييل السردي العنيف.. يحمل الوجه الأول «من خلال عيون مصرية» مستوى سرديا يقوم على مراقبة التسريب النسقي للهيمنة اللغوية، عبر تسرب شيفرات اللهجة المصرية للشارع البغدادي، وما تركته من أثر رمزي على اليومي، والتواصلي، وعلى نمط الاجتماع العراقي، وتواصلا مع الوجه الثاني «في الحفلة أو كوميديا الأسماء» حيث التوغل في الأنثروبولوجيا العراقية، زمن صعود البعث، وطبيعة ما اقترن بهذا الصعود من تحولات اجتماعية وطبقية، وصعود «البورجوازية الريفية» إلى عتبة السلطة والثراء.

عبر هذا الوجه تتبدى شيفرة السارد الثقافي وهو يرصد تحولات المكان، عبر تحولات الحياة والشخصية، وعبر ما تكشفه من انهيارات عميقة، ومن تعرية لما تتقنع به السلطة، وخطابها السياسي المُقنّع بالمظاهر الغرائبية، تلك التي تبدو وكأنها كوميديا سوداء للأسماء ولليوميات والأقنعة.

الوجه الثالث «زحف الغابة» ينحاز فيه الروائي إلى ما يشبه الاستعارة السردية، لتعرية العنف، الذي أدى إلى انهيار الجبهة الوطنية في نهاية السبعينيات، ووقوع الشيوعيين في فخ السلطة المرعب، وهو ما يعني انهيار أنموذجه الثقافي، وتضخم اغترابه الوجودي، فضلا عن انهيار الفكرة الحميمة للمدينة التي كان يعشقها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى