العقلانية والنقد

علي حسن الفواز
حينما كتب محمد عابد الجابري أطروحاته حول «نقد العقل العربي» فإنه وجد جورج طرابيشي له بالمرصاد، ليكتب «نقد نقد العقل العربي»، وليكتب آخرون أيضا ما يجعل فكرة النقد مشكوكا فيها، وبحاجة دائما إلى المراجعة، وإلى أهمية تخليصها من عوالق الأوهام والأقنعة والأدلجات التي تختبئ خلفها. كتابة النقد تقوم في جوهرها على فكر الشك، وعدم الثقة، وعلى وضع الذات القومية أمام رهابات تاريخية وفكرية، مردها الضعف، والخضوع، والاطمئنان إلى اللامرئي من الحلول الشمولية والاستعلائية، التي تعني الحماية والتسليم، مثلما تعني صناعة «الدول الجاهزة» و»المجتمعات المحمية» التي تعيش لحظات صيانتها الآمنة، وسط تهديدات أمنية ودينية وطائفية، وهو ما أسهم ضمنا برغبة الـ»بعض» بالدعوة إلى صناعة المجتمعات النقية، أو الناجية على طريقة التوصيف السلفي بـ»الفرقة الناجية».
مراجعة اشتغالات العقل العربي لا تعني مراجعة السياسة بمعناها الخالص، ولا حتى التدخل في اللاعقلانية السياسية العربية، بقدر ما تعني العمل على إثارة أسئلة وجودية حول هويتنا، وحول مستقبلنا، وحول فكرة «تلاشينا»، كما أشار إلى ذلك الشاعر أدونيس.
استدعاء العقلانية قد يكون وعيا بالمشكلة، ودعوة لمواجهتها، ومنظورا لرؤية الأشياء الحقيقية من حولنا، فالسياسية والفوبيا الأمنية كثيرا من تصنع أوهاما، وأشباحا، وديكتاتوريات، وتخيلات لا مرجعيات سردية لها، لاسيما أن تاريخنا الذي نحاول اليوم سردنته يحتاج إلى العقلانية من جهة، والنقد من جهة أخرى، ليس بالضرورة على طريقة الجابري، لكي يكون عقلا عرفانيا أو بيانيا أو برهانيا، وأن تتوزع الولاءات، وفق حاجة هذا العقل أو ذاك، فالمغرباني سيكون برهانيا، وربما بيانيا بعض الشيء، لكن المشرقي سيظل عرفانيا، أي أنه محكوم بعقد الغنوصيات والروحانيات، واستيهامات التصوف. الاعتقاد بأنّ هذه التوصيفات أضحت مثيرة للجدل، يقابله التصديق بأنّ السياسي هو الوحيد الذي يملك الوجه البرهاني للحقيقة، وأنّ ما يحمله الثقافي من عرفانية لا تساعده على تجاوز عقدة الحداثة بمعناها الإجرائي، حيث تظل تلك الحداثة تهويمية واستعارية، ولا ظلّ لها سوى اللغة، وسوى ما يحمله لها مبشرو الحداثة من نزق «أدونيسي» مسكون بوهم التجاوز في اللغة وليس في الواقع، لكن التغافل عن حقيقة الأمر هو ما يجعلنا أكثر استجلابا لعلم اللغة على حساب علوم أخرى، يمكنها أن تشفع لنا في معرفة مسؤوليات الحداثة، فنحن لم نوظّف علم الاجتماع في معرفة الشخصية والهوية والجسد والعقيدة، وحتى في اللغة نفسها، فضلا عن تعطيلنا التعليمي، وربما السياسي والديني لعلمٍ مهم هو الأنثروبولوجيا، ووصفناه دائما بأنه علم المستعمرين، وأن وظائفه وكشوفاته لا تمسّ سوى الغامض والمقموع من العادات والهويات والأزياء والعادات والقيم والأساطير، حتى بات وكأنه جزء من اشتغالات الفلكلور، بعيدا عن أن يكون علما مهما، له شأنه في الحفر والكشف، والمعرفة، وفي تقويض المركزيات القديمة التي حولتنا إلى أمةٍ صالحة للاستشراق فقط.



