عدنان محسن: كل المدن أسكنها ووحدها بغداد تسكنني

المراقب العراقي / القسم الثقافي…
هو احد ابناء جيل السبعينيات الشعري ، الجيل الذي تحمل الكثير من المعاناة في ظل تدهور الاوضاع السياسية داخل العراق ، جيل من ذهب في المعرفة والابداع لكنه عاش حياة بائسة بسبب التهميش والاعتقالات ومصادرة حريته لتقاطعاته مع السلطة الحاكمة آنذاك انه الشاعر عدنان محسن الذي التقته (المراقب العراقي) في حوار وقد خرجنا بهذه المحصلة.
كيف تفسرون الدعوات المستمرة للحداثة والتجريب في قصيدة النثر والرواية أو ما وراء الرواية ؟
– أحسب أنّ الدعوات المستمرة للحداثة والتجريب في ثقافتنا، ما زالت أسيرة لنوعين من سوء الفهم ولبضعة أوهام، ومن سوء الفهم هذا ومن تلك الأوهام نهلت دعوات الحداثة مصادرها الأولى وصاغت توصيفاتها.أما سوء الفهم فهو يتعلق بإشكالية المصطلح الذي يشير إلى هوية قولنا الشعري: قصيدة التفعيلة، الشعر الحر، قصيدة النثر الخ. وليس مبالغة القول إنّ غياب المصطلح ( الجامع المانع ) هو كعب أخيل النقد العربي ومصدر فراغ وخواء نظرياته.
والآن، إذا نظرنا إلى خارطة الشعر العراقي، نجد أنّ كتاب قصيدة النثر فيها قليلون، وانّ بعض الرموز التي نعتقد أنها تمثل قصيدة النثر بامتياز، هم في الحقيقة كتبوا الشعر الحر. يحضر الآن في الذاكرة سركون بولص، فالبرغم من أنّ هذا الشاعر الكبير كتب قصائد نثر رائعة ولكن أكثر قصائده تنتمي إلى الشعر الحر، هذا ما صرّح به لي شخصيا، وكذلك الحال مع صلاح فائق الذي أعتبره مع الماغوط وسركون بولص ومؤيد الراوي وغيرهم من رواد الشعر الحر في العراق، هذا الشعر الذي أخرج القصيدة العربية من أروقة فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن لتعلن عن نفسها بحرية كاملة.
لكن بالمقابل نجد أن خروج القصيدة العربية من اوزان الخليلي جعلها تتأثر في الشعر الفرنسي الذي كتبه رامبو وبودلير وبريفير وغيرهم الكثير .
كان التأثير الفرنسي طاغيا على القصيدة العربية وبخاصة داخل العراق أكثر من غيره واعني هنا تحديدا قصيدة النثر ، إذاً ما هي مقومات نجاح قصيدة النثر داخل الوطن العربي ونحن نعرف ان شاعرها يجب ان يكون موسوعي وملم بثقافات متنوعة ولو تعقبنا قصيدة النثر الفرنسية منذ الديوان الأول الذي أصدره الويزيوس برتران ” غاسبار الليل” حتى يومنا هذا، نجد أنّ كبار الشعراء الفرنسيين، بودلير، رامبو، مالارميه في القرن التاسع عشر، وبروتون، آراغون، إيلوار، سان جان برس، ماكس جاكوب، بيير ريفردي، رينيه شار، فرنسيس بونج، بيير جان دوف..الخ من القرن العشرين، ساهموا في تكريس هذا النمط من الكتابة، ومن كتابات هؤلاء استمدت قصيدة النثر الفرنسية شرعيتها ونالت شهرتها. هؤلاء جميعا، ومن معهم، رسّخوا قصيدة النثر في الشعر الفرنسي، بحيث أصبحت اليوم النمط السائد في الكتابات الشعرية الفرنسية.
والآن، دعني أتخيل الآتي : ماذا كان سيحصل لو أنّ محمد مهدي الجواهري أو بدر شاكر السياب أو نازك الملائكة أو عبدالوهاب البياتي، جرّبوا قصيدة النثر؟
اليوم ، وبعد أن مضت عقود من الزمن على كتابة قصيدة النثر في العراق خاصة والوطن العربي عامة ، هل تعتقد انها اثبتت وجودها واصبحت بديلا عن القصيدة الكلاسيكية وقصيدة التفعيلة ؟
ينبغي على المرء قبل الشروع في أي حديث عن البدائل، أن يعيد قراءة التجربة الشعرية لجيل الستينات من خلال النصوص المنشورة آنذاك وعبر أهم رموزها.لا أضيف شيئا جديدا في القول إنّ هذا الجيل لم يكن جيلا واحدا من جهة الإبداع والمعرفة الشعرية، رغم انتمائهم إلى حقبة زمنية عُرفت بهذا الاسم، وأحسب أن شعراء التفعيلة لهم نصيبهم في المساهمة في تجديد القصيدة العربية ولكن من داخلها ودون الخروج على قوانينها.
ويستطيع العارف بالعروض أن يفعل الشيء نفسه بعدد غفير من قصائد نهاية الأربعينات والخمسينات.والحال، أن مساهمة شعراء التفعيلة في الستينات في التجديد تكمن في الخروج من هذه الصرامة العروضية ومن كلّ ما تقدّم يتضح أنّ قصيدة النثر ما زالت في بداياتها مقارنة بالإرث الشعري القائم،
* ننتقل الى المنفى الذي ذهبت إليه مرغما بعد سلسلة من مضايقات رجال الأمن في بداية شبابك ، وأكثر من ثلاثة عقود مضت وانت بعيد عن وطنك العراق . ترى ما الذي ظلّ في الذاكرة عن بغداد مدينتك التي تمثل نواتك الشعري بالرغم من الخراب والدمار الذي لحق بها عبر الحروب والصراعات الطائفية ؟
– مالذي أبقته الذاكرة وماذا تبقى منها؟ لم أكن أحسب أنّ سؤلا كهذا عن علاقة الإنسان بالمكان، يضعني أمام حيرة الاختيار ويعقد لساني. كأنّ كلّ شيء قد بقى وفي نفس الوقت لم يبق منه سوى القليل، هذا الذي أخفي فيه نفسي وأتذكرها.
كنتُ كتبت منذ فترة طويلة نصا يقول:
الذاكرة،
هي كلّ ما تبقّى لي
من أسمال العائلة.
وقلتُ أيضا:
مدنٌ أسكنها
وحدها بغداد تسكنني
إنّ علاقة المرء بالمكان، هي مرآة حياته ودليله الذي يقوده إلى الماضي من أبوابه الواسعة.



