ثقافة الشللية

أشرف قاسم
أن الوسط الثقافي بشكلٍ عام قد تفشّت فيه ظواهر سيئة ألقت ظلالها على الناتج الثقافي، ومن أخطر هذه الظواهر السيئة «الشللية» ويوضّح أن الأديب إن لم ينتم لشلّة أو جماعةٍ من جماعات الوسط يكون من المغضوب عليهم، الذين يحاربون بكل طريقة، لأنه يغرد خارج السرب، وتزداد الحرب شراسة كلما تقدّم هذا الأديب خطوةً للأمام، وهذا أمر غريب على ثقافتنا، لم يكن موجودا مثلا في عصر طه حسين، فقد كان هناك بجانبه العقاد والمنفلوطي ويحيى حقي ومحمد حسين هيكل وغيرهم، وكان لكل منهم منجزه المميز عن سواه، ولم نسمع أن حارب بعضهم بعضا، بل كانت معاركهم كلها حول قضايا أدبية أو ثقافية مهمة، لا من أجل إزاحة الآخر .ويرى أن مقولة (مطرب الحب لا يطرب) فهي مقولة خادعة، فالمطرب الحقيقي يطرب في كل مكان وزمان، ولكن لا بد من وجود أذن نظيفة تستطيع تمييز الجيد من الرديء، بدون غرض، فالغرض مرض على عكس ما يحدث الآن بين أدباء البلد الواحد،.
منذ أيام توفي أحد الشعراء الفاعلين في المشهد الثقافي العربي، وأنها صُدمت أن أكثر الأصدقاء من بلده لم يتحدّثوا عنه حتى على سبيل أداء الواجب وتقديم العزاء، وأن أيّا من مظاهر الحزن المعلنة التي جعلت موقع الفيسبوك مثلا أشبه بسرداق عزاءٍ كبير من الجميع وتقول.. لقد تأكدت لي وقتها شكوكي والأسباب القاسية التي جعلت مبدعا له نتاج مهم ومشروع ثقافي جاد وتجربة ثرية مهمش ومنبوذ في وطنه، لدرجة عدم ذكر اسمه كمنتجٍ فاعلٍ في المشهد الثقافي الذي يتصدّره كتاب متواضعون وكتابات في غاية الرداءة. وترى أنه قد يصل التهميش لحرمان المبدع من حقه في تمثيل وطنه في المهرجانات الأدبية المختلفة وإنكار وجوده وإنجازه في حال فوزه بجائزة ما والتقليل منه في شكل ماسوشي، متمثل في رؤيتهم الضئيلة لأنفسهم أولا ولإنجازاتهم الأدبية. وتعطي مثالا بالأديب العالمي نجيب محفوظ من أنه عانى من كل هذه الطعون والإساءات، وإلى يومنا هذا من محبيه وكارهيه على حد سواء، كأن البعض لا يصدق أن مواطنًا مثله حصل على الجائزة لأنه يستحق وإبداعه على مستوى الذين فازوا بها من قبل في شكلٍ يهدّد السلام النفسي لكل طموح يسعى لكتابة أفضل، بالاشتغال على نفسه، وتطوير المنتج الإبداعي بشكلٍ مختلف عن السائد والمطروح والمفروض، وفق معايير ضيقة ومرضي عنه من كهنة المعبد القديم. وتقول أحمد إنه اذا كان أديبًا مثل نجيب محفوظ واجه كل هذه المعاناة، فهذا ما جعلني أصبر على ما ألاقي من تجريحٍ وتهميشٍ من أبناء جيلي، وبعض الذين حسبتهم أصدقاء وأنكروا حقّي، لأنه لا مصلحة معي ولا علاقات تساعدهم في الوصول إلى ما يريدون، قد يغلظون لك القطيعة مهما حقّقت من إنجازٍ، ولا يبادرون إلى تهنئتك بأحد الإصدارات، أو يذكرونك في ما يوزّعونه من ألقابٍ ومديحٍ في ما بينهم، على عكس بقية القراء من الدول الأخرى الذين يحتفون بك، لأنهم خارج حسابات شللية المشهد الثقافي.



