اخر الأخبار

من الذاكرة السياسية لماذا ناصرت الصحف الفلسطينية معاهدة صالح جبر عام 1948 مع الإنكليز ؟

قد قوبلت المعاهدة بأشد مظاهر الاستنكار واثارت كوامن السخط، وربما ساعدت العديد من الأيادي الخفية في احداث الوثبة وتوسعها ، ومنها تلك العناصر الصهيونية، وعلى حد وصف أحد المعاصرين ، بأن الصهيونية التي شعرت بالاتفاق مع بيفن وقدرت خطره ، واندفعت في تأجيج الأحزاب ونشر الحرائق وتقطيع الجسور، لتشغل العراق بنفسه عن فلسطين. وقد هاجمت صحيفة الدفاع الفلسطينية قادة الوثبة ووصفت صالح جبر بـ “البطل الشجاع والجريء والمخلص، الذي غامر لأنقاذ فلسطين” وذكرت أن الشعب العراقي “مثالي وعاطفي وسريع التصديق” وانساق وراء الدعاية الشيوعية والصهيونية وهاجم المعاهدة التي كان من شانها أن تحول دون قيام دولة (إسرائيل). وهو رأي نأخذه بكثير من التحفظ . وذلك أن بريطانيا ودول الغرب بشكل عام، كانت مصممة على إقامة (وطن قومي لليهود) في فلسطين.
كتبت الصحافة الكثير عن الوثبة ، فقد كتب كامل الجادرجي، مقالا ألقى باللائمة على الحاكمين الذين أعمتهم بصيرتهم وطغت على نفوسهم ، مفاسد الحكم ووصف نضال الشعب بقوله “انقلب هذا الشعب الكريم الهادئ الذي حسبه الحكام بحرا ميتا بين عشية وضحاها إلى أمواج متلاطمة تصاعدت إلى عنان السماء “، وتحدث الجادرجي عن صالح جبر بقوله” الطبيب الجاهل والحاكم الجاهل سواء ذاك يقود المريض إلى الموت أم هذا يقود الأمة إلى الهلاك”.كما تشير إحدى الرسائل العلمية إلى ذهاب الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء، شخصيا إلى الوصي عبد الإله، لإبلاغه شخصيا بطلب علماء الدين في النجف بإبعاد صالح جبر وإيقاف المجازر واعادة الأمن والاستقرار.
مهما يكن من امر فان وزارة السيد محمد حسن الصدر التي اعقبت وزارة صالح جبر قررت الغاء المعاهدة بعد مناقشات في مجلس الوزراء استمرت ثلاثة ايام (31 كانون الثاني – 2 شباط 1948) لكن وزارة السيد الصدر لم تتمكن من احداث تغيير في مسار العلاقات مع بريطانيا التي بقي نفوذها السياسي والاقتصادي قوياً في العراق. ومع مرور الوقت ، فقد إستمر خضوع العلاقة السياسية بين الطرفين، للأسس التي حددتها معاهدة 1930، إلا ان مسألة التعديل بقيت قائمة ولم تتجاهل الحكومات التي جاءت بعد عام 1949، هذه المسألة. وقد أعادت بريطانيا النظر في سياستها في الشرق الأوسط، فيما بعد ،اعترافها بعدم قدرتها على العمل لوحدها في الدفاع عنه .
على الرغم من موقف صالح جبر من الحركة الوطنية واضطهاده الأحزاب السياسية، فضلا عن تردي الأوضاع الاقتصادية وأزمة الخبز والتموين ، والإدارة السيئة ، فإن مبعث رفض المعاهدة ، هو كراهية الشعب العراقي لبريطانيا، وبخاصة بعد صدور قرار تقسيم فلسطين في التاسع والعشرين من تشرين الثاني 1947 أي قبل توقيع المعاهدة بحوالي ستة أسابيع، ووعي ابناء الشعب وبخاصة الطلبة والشباب ومن يحركهم من الأحزاب السياسية الوطنية والقومية ، التي اندفعت لمواجهة وزارة صالح جبر، التي حملها الجميع مسؤولية توقيع المعاهدة. ونجد ابلغ وصف تقييمي عن الموضوع الذي نحن بصدد البحث عنه ، ما قاله الدكتور كمال مظهر احمد ، إن القوى الوطنية ، قد وقفت بصلابة وحددت مطاليبها الرئيسة ، بإلغاء المعاهدة وإسقاط حكومة صالح جبر ، وأجراء انتخابات حرة ، ووضع حد للغلاء الفاحش واطلاق سراح السجناء السياسيين وإشاعة الحريات الدمقراطية ومساندة فلسطين لإنقاذها من الاستعمار والصهيونية . وان ابرز دروس هذه الوثبة التي أطاحت بالمعاهدة ، هو تعبير حي للوحدة الوطنية بأسرها ، يساندها الرأي العام العراقي بعربة وكرده ، بعيدا عن الفورات المذهبية والقومية المصطنعة ، التي رعاها ونماها وقوّى جذورها المستعمر والعملاء آنذاك. واثبتت وثبة العراقيين أنها دقت بصلابة اكبر إسفين في نعش السياسة الخارجية البريطانية في المشرق العربي كله ، واسقطت بيد المتعاونين مـع السياسة البريطانية كل المحاولات اليائسة .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى