ثقافية

الدوافع النفسية والاعتبارية في ادب الرحلات عند باسم فرات

 فاضل عبود التميمي

 تقف هذه المقالة عند مقاصد الرحلات التي أنتجها الشاعر باسم فرات، وهي ترى أن مقاصد الرحلة – أي رحلة- هي الدوافع النفسية والاعتبارية، والمادية التي تدفع الرحالة لأن يقصد الترحال، والخوض في غمار الرحلة، مبتعدا عن حياته الاعتيادية، وعندي أن الرحلة تخضع لعدد من البواعث والمسوغات والاستجابات، التي تدفع الإنسان إلى الارتحال، فالرحالة لابد أن يقع تحت سلطات قوى يدركها، وقد لا يدركها، سلطات يمكن أن تدفعه لأن يكون بعيدا عن الحياة المعتادة، تلك هي (المقاصد) المنبه الخطير الذي يعلو صوته فوق كل الاستجابات، والمحفزات والتصورات التي تدعو إلى الابداع، والتماس طريق التفرد في الحياة، وهذا ما لمسناه في رحلات باسم فرات:

1في رحلته الأولى: «مسافرٌ مقيمٌ عامان في أعماق الإكوادور»، أقر باسم أنه من خلال تلك الرحلة كان شاعرا يتمايز عن مواطنيه في إقباله على عوالم الإكوادوريين برؤى شعرية، ناقلا الصور من خلال حواسه وتداعياته وخواطره، التي تراكمت لتشكل ذخيرة المسافر، فهو ليس سائحا، ولا باحثا عن الثروة، وقد أشعل شعراء وأدباء فيه جذوة الترحال، بعد أن أغوته تجاربهم، وهدفه اكتشاف تلك البلاد التي يجهلها كي يتعلم في حياته المقبلة، وهمه الأساس أن يكتب مشاهدات عاشق للمكان والتنوع اللغوي والديني والبيئي، فالسفر والترحال عند الشاعر باسم فرات حاجة لا غنى عنها ويتضح فرات كان قد أعلن عن هويته، التي اتصف بها قبل أن يعلن عن مقاصده، وهذا يظهر من خلال رؤيته للمكان، فهو شاعر يرى المكان بمخيلة شاعر، وهذا يعني اختلاط الرؤية عنده بين الحلم الشعري، والرؤية الحقيقية.

لقد وضع فرات في تصوراته السابقة الأطر العامة لمقاصد الرحلة، وقد اختصرها في (اكتشاف البلاد)، والاكتشاف يعني الحصول على خبرة، ووضعها في ما بعد في خدمة المتلقي، أي أن المقصدية في «مسافر مقيم عامان في أعماق الإكوادور» تجاوزت ما هو إخباري إلى ما هو تواصلي يخدم الجميع.

2في رحلة «الحلم البوليفاري رحلة كولومبيا الكبرى» أي الرحلة الثانية للشاعر، رأى أن أدب الرحلات لا يمكنه أن يتخلص من المرجعيات الثقافية للمؤلف، فقراءاته لها سلطة على النص المكتوب، وهي خلفيات تحرك اللاوعي عنده، وهذا ما وجده أثناء تدوين الرحلة، وهذا يعني أن قراءاته كانت تشاركه تأليف الجمل والفقرات.

والأمر الواضح لمن قرأ الرحلة أن باسم ربط رحلته الثانية بأنماط من المقاصد التي تتمثل في، نقل الجيد من تجارب الأمم، أي من تجارب الأمة الكولومبية، و العناية بالهامش والمهمل، والانخراط مع ثقافة الآخر، والتعرف عليه، والخروج بخبرة كبيرة ومتعة أكبر، والشعور بالانتشاء، وعندي أن هذه المقاصد مجتمعة تحيل إلى هدف أكبر، تمثل في التواصل مع الأمم الأخرى، والإفادة من ثقافتها، فالتواصل في النتيجة ارتباط وتفاهم بين الشعوب، أي بين مرسل، ومستقبل يكون التوافق بينهما سببا من أسباب اللقاء، الذي يدعم فكرة الإفادة المشتركة.

3في رحلة «لا عشبة عند ماهوتا من منائر بابل إلى جنوب الجنوب»، وجد الرحالة الشاعر باسم فرات نفسه معترفا بأنه شاعر لا يستطيع أن يتخلص من شغفه بالشعر، وهذا ما جعل قسما من عباراته شعرية التشكيل، ولكن همه الأول من جراء الارتحال اكتشاف أكبر عدد ممكن من الأماكن ومجسات نبضها، بعد أن استنشق عبير جمالها، وعبق دهشتها جاعلا من رصيد ذاكرته أكثر ثراء وتنوعا، وغرابة وتفردا.

في هذه الرحلة كان القصد يتمثل في اكتشاف الآخر اكتشافا تاما يأخذ بالرحالة إلى الإفادة من كل ما رأى، بعد أن خزن المرئيات في الذاكرة أولا، ثم أفرغها كتابة ثانيا.

4في رحلته «طواف بوذا رحلاتي إلى جنوب شرق آسيا» حرص الرحالة باسم فرات على الدخول في عمق مجتمع جنوب شرق آسيا، حين حضر أعراسا، ومناسبات، وفعاليات، وأنشطة ثقافية واجتماعية، وكان يرتاد الأسواق والمعابد، والشوارع الخلفية، وقد أقام علاقة مع الكسبة والباعة وبسطاء الناس، وهو يؤمن بأن الكادحين إخوته، وأنهم ملهمو قصائده وكتاباته، فهم بحسب رأيه نبض المجتمعات، وحقيقتها الناصعة بلا رتوش، وتلقائيتهم تساعد في فهم الأنساق الثقافية، والحوامل الاجتماعية؛ ولهذا كله لم يسمح لعينيه أن تغفلا عن أي مشهد، وهدفه في النهاية نقل تجارب الآخرين، بعد أن يتعرف على ميولهم وأوطانهم وقومياتهم وثقافتهم .

في الرحلة السابقة تبرز المقاصد التواصلية واضحة، من خلال اعتراف الرحالة بأن هدفه ينصب في التواصل مع الآخر، فنقل تجارب الآخر البعيد الثقافية يعني الإفادة منها، فالثقافة، والعلم سلعتان في حالة حركة دائمة بين الشعوب؛ لأن الحياة المعاصرة تسهم في وتائر تسريعها، فهما مهما طال الزمن في تغيير، وأن هذا التغيير لا يكون إلا في حركة تواصل دينامي تعززه الخبرات المتبادلة والهجرات والرحلات أيضا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى