ثقافية

الشعر بين سلطة اللغة وسلطة الخطاب

علي حسن الفواز

سيرة التحوّل في الشعر العربي بدت وكأنها سيرة ملعونة، تتكشف عبرها تحولات وصراعات، وحروب وإكراهات، فشاعر البادية لا يشبه شاعر المدينة، وشاعر الأيديولوجيا لا يشبه شاعر الذات، وشاعر الولاء لا يشبه شاعر المعارضة. كل هذه اللعنة كانت رهينة بالسياسة، وبالصراع الاجتماعي والثقافي، رغم أن جوهر هذا التحول الملعون لم يكن بعيدا عن اللغة، بوصفها نظاما للتفكير والتواصل، أو نظاما علاماتيا ورمزيا يعكس ما هو عميق في الحاجات، وفي أنظمة المعيش والفكر.

لذا كان من أخطر معطيات التحوّل في فهم الشعر هو ما حدث في اللغة ذاتها، وفي تقانات تداولها في طبائع أهلها وتنوع أغراضهم، وفي تشظي وحداتها النحوية والبلاغية، التي كثيرا ما كان يستند إليها الشعراء في صناعة جملهم الشعرية والنحوية، وفي توسيع مديات الاستعارة والمجاز من خلال اللغة، وكذلك في صناعة صورهم الشعرية، وهي صور لا تخرج كثيرا عن الاستعارة والمجاز أيضا. فما أنجزه دوسوسير كان نوعا من الثورة اللسانية، إذ لم يعد هناك أفق سانح للحديث عن النحو وعن البلاغة، فالكل دخل تحت مسمى علم اللغة، وصارت القراءة تنطلق من مستويات عدة، أولها المعجمي، وأوسطها التركيبي وآخرها الجمالي، وهو ما يستوعب الأسلوب والمجاز والاستعارة وغيرها.

الدفاع عن الشعر إزاء هذا المعطى يكمن في إعادة تأهيل مستويات اللغة تلك، لتكون بمستوى فعل الكتابة، وبقدرة هذه الكتابة على إحداث الأثر، وعلى صياغة مستويات أكثر تأثيرا في التلقي، وفي تحويل سلطة اللغة إلى سلطة الخطاب، وهو ما يعني دخولها في الممارسة الاجتماعية، التي تعني ممارسة التراسل والتمويه، والاستعارة والتورية، التي ظل الشعر مندفعا إليها، انحيازا للتأويل وبحثا عن الحقيقة، أو البحث عن الأسلوب بوصفه دالة الجمال الشكلاني، وهو مهم في صناعة الخطاب.

دأب الشعراء على المغامرة يعكس دأبهم في البحث عن المغايرة، والمختلف، وتجديد أدوات الخطاب، ليس لأنّ الشعر أكثر الأجناس عرضةً للتغاير، بل لأنه الأكثر تعبيرا عن الوجود، بوصف الوجود هنا نظاما للتفكير، ونظاما للخطاب ذاته.

مفهومنا للحداثة لا يخرج عن اللغة، وعن الشعر بشكل خاص، ولكون الشعر يتطلب عناية استثنائية، فإننا كثيرا ما نقع في المحظور التاريخي، أي نكرر إنتاج الأشكال والأساليب، وحتى الإشاعات الشعرية، لذا كان الظهور السريع للرواية كفعل خطابي يتأتّى من خلال البحث عن التعويض النصوصي، وعن الإشباع الخطابي، لاسيما أن العقل العربي، لا يطمئن للنقد كثيرا، لذا كانت الرواية هي البديل الجاهز والسريع لمواجهة التاريخ، ولمواجهة الشعر الذي ظلت مشاريع تحديثه ضعيفة، إزاء ما يحدث في المعارف والأفكار، وحتى في السرديات التي تحولت إلى «تاريخات» موازية، أو بديلة، حدّ أنّ الهوية السردية والزمن السردية والمكان السردي والشخصية السردية صاروا أكثر حضورا من التاريخ والواقع.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى