الثقافي ـ السياسي ولعبة الوظائف الماكرة

علي حسن الفواز
العلاقة المتلبسة والحذرة ما بين السياسي والثقافي تظل محفوفة بإشكالات التوصيف، وعُقد الهيمنة، وبتنوع واختلاف الوظائف التي يؤديانها، إذ يملك السياسي شرعنة القوة المادية، والثقافي يناور عند عتبة القوة الرمزية، وبين القوتين، ولعبة الامتلاك والمناورة هناك الكثير من الفخاخ، والكثير من السجون والرقابات القاسية، فمتى يثق السياسي بالثقافي؟ وهل يمكن أن يشاطره لعبة صناعة النظام والسياق، أو حتى يبادله بعض الأسرار، حتى لو كانت أمنية؟
هذه الأسئلة تخالجني وتطاردني منذ زمن، ليس بحثا عن صياغة عقد أخلاقي افتراضي بين الاثنين، بل لكي يدرك السياسي أن فرادته في اتخاذ القرار، وفي حيازة الأسرار، وربما في ترسيم حدود حركة الجميع لم تعد نافعة للزمن الجديد، الذي تزحزحت فيه الثوابت ومفاهيم القوة، ولكي يدرك الثقافي أن أوهامه الثقيلة أو الخفيفة، وحتى غروره وتعاليه لا تمنحه صلاحية عبور أي حاجز أمني، أو تكسير غلظة أي زعيم سياسي أو رجل مخابرات يقف في المطار أو عند الحدود، أو حتى الوقوف عند عتبة مشتركة مع أي جنرال أو سياسي يمكن أن يضع الديمقراطية في جرابه..
محنة الثقة بين السياسي والثقافي هي محنة تاريخية، ومن الصعب الحديث عن فكِّ اشتباك عقلاني ووظائفي بينهما، لكن تغوّل ظاهرة السياسي «غير المحترف» في حياتنا، ووسط عالم انهارت فيه كثير من «الدول الكبرى» و«الأدلجات الكبرى» استدعى مراجعة كثير من الأفكار والقيم، التي بات وجودها رهينا بأزمة الصراع، وقرينا بلعبة التموضع «الاضطراري» داخل فضاء عمومي مُلتبس، تسلل إليه اللصوص، والدوغمائيون والانقلابيون، وجماعات الحروب الأهلية والأصوليات واليسار الطفيلي، وهو ما جعل الحديث مدعاة للتوضيح وللمراجعة أو للنقد، أو حتى للبحث عن سياق توصيفي أقل ضررا بينهما، رغم صعوبة تجاوز حاكمية هذا السياق الدوغمائي المقفل، والمحكوم بصلاحيات تجعل الاطمئنان السياسي للثقافي أو بالعكس نوعا من السذاجة.
دول ما بعد «الربيع العربي» بدت خالية من السرديات الكبرى، وأن رهانها على «سرديات مضادة» لا يشفع لها في أن تصطنع تصورا سهلا للعلاقة بين الثقافي والسياسي، ولا القبول بالمعايير المفترضة، لتوصيف فعل السياسي في إدارة وتدبير شؤون الناس، وحتى في صناعة أشكالٍ أكثر حداثة لمشروع الدولة، بوصفها الإطار المؤسسي الذي يمكن أنْ يُحصّن السياسي من الأخطاء التاريخية، ويضع الثقافي في إطار المشارك العقلاني والداعم لفكرة تلك الدولة.



