الحداثة الشعرية

قيس مجيد المولى
يُقَسِم برغسون الزمن إلى قسمين وهما الزمن المكاني وهو قطعا الزمن الذي نعيشه نحن ويكون جزءا من أفعالنا التي ترتبط بشتى الأمور الحياتية ومتطلبات حاجة الإنسان ضمن حركته اليوميه أمام وجوده الظاهر، والآخر ما أسماه زمن الذات الشاعرة وهو كما نعتقد مستويات التدفق في الأحاسيس والمشاعر والتي تشكل قدرات الذات للنفاذ للأشياء المجهولة والتوقع بمستكشف الغد أي الرؤيا المبصرة للتحولات التي تصاحب الإفرازات النفسية ونتائج هذه الإفرازات، وبالتالي فإن الزمن في المفهوم الأول يشير إلى التعامل والوجود الخارجي وفي المفهوم الآخر يشير إلى التعامل مع المفهوم الباطني أي بالبعد الإدراكي لما ترتبه المشاعر من غير المألوف فالأفكار البرغسونية كانت أحد الأسس التي اعتمدها التصويريون ضمن مفاهيم أخرى في التعامل مع المفردات البنائية للنص الشعري وقد شاعت التصويرية في أمريكا وبريطانيا وكان من أهم روادها عزرا باوند، أليوت ومنظرها هيوم.
كَثف التصويريون تنظيراتهم في مجال اللغة والصورة الشعرية وكذلك موقفهم من الشعر التقليدي والشعر الحر فهم يعتقدون وفي مجال اللغة أنه لاضير من إستخدام اللغة الشائعة والتي كانوا يعنون باللغة المحكية ولكنهم في نفس الوقت لم يتركوا هذا المفهوم سائبا بل يربطونه بضرورة الإستخدام الدقيق لهذه اللغة خشيتهم في ذلك أن لاتتداخل أو تسطو اللغة المقارنة أو البديعية على هذا الأستخدام اللغوي وبالتالي يؤدي ذلك إلى خلق أشكاليات عديدة أثناء عملية الخلق وبالتأكيد فأن مفهوم اللغة لدى التصويريين يكاد يصل بعض الشئ لمفهوم فلاسفة الوضعية المنطقية الذين يرون أن اللغة تؤدي وظيفتين وهما تقرير الوقائع وأثارة الأنفعال وهذا يشبه إلى حد ما رأي التصويريين بأن اللغة تتعامل مكانيا وباطنيا مع الموجودات،وقد التزم التصويريون بمفهوم الشعر الحر بأعتقادهم بأنه الأنسب والملائم لأثارة القوى النفسية والوصول إلى الجمال وهاجموا الشعر التقليدي وأعتبروه لايقدم القدر الكافي من الصوتية المطلوبة ونغماته غير قابلة للتجديد لذلك حذروا الشعراء الجدد حينها من أحلال النغمات القديمة في الألسنية الموسيقية للشعر الحر وقد أنعكست أراءهم تلك على مفاهيم أخرى ومهمة حول وظيفة الأدب وأستخداماته ودعوا إلى التركيز والوضوح من خلال البينية مابين المحدود واللامحدود ولاشك أن هذا يدعو إلى التسأؤل عن مدى ألتصاقهم بالفيزيقية ومديات تفريقهم مابين اللغة المباشرة والتي تعمل كما أسموها بالصور ومابين لغة النثر التي دعوا إليها وأعتبروها المحرك والإلهام وربما بأراءهم هذه أرادوا الإبتعاد عن الكثير من المفاهيم النقدية ومنها المفهوم المضموني أو ما رأته الوضعية المنطقية في فك أرتباط الأدب بالمعرفة أو المفاهيم التي دأب عليها النقاد الشكليون،لكنهم كانوا أي التصويريون كانوا أمتداد للرمزية وذهبوا بأنفسهم لأحياء كلاسيكيتهم الجديدة حين أتسعوا بمفهوم التجريب الشعري وفتحوا نافذة الأساطير القديمة، وقد عمل الشعر تارة في مجال التعارض الظاهري وأعتبروه أحد معايير الشعر أستنادا إلى ما تؤدي العبارات فيه من التناقض الذي يؤدي مظهرا فكريا وهو بذلك قد قننت فيه المستويات الشعورية ولكن هذا التناقض يتحرك في مجالات التضخيم تارة وتارة في مجالات الدقة وفي المجالات التي تسمح لتسيير جزء من دفق الباطن ضمن الجزء الأكبر من الإكتناز الفكري الذي يتعاطف بقدر ما مع اللاشعور.



