العراق يرهن مقدراته بيد واشنطن عبر اتفاقيات تقدر بـ 60 مليار دولار

تواصل التحذيرات من الاستعمار الاقتصادي
المراقب العراقي / أحمد سعدون..
في مشهد يعيد إلى الأذهان حقبة الاستعمار البريطاني للعراق ولكن بصيغة مختلفة، يرى مراقبون أن البلاد تتجه نحو رهن جزء كبير من مقدراتها الاقتصادية عبر سلسلة تسمى الاتفاقيات ومذكرات التفاهم مع الجانب الأمريكي، والتي شملت قطاعات الطاقة والكهرباء والصحة والتكنولوجيا والزراعة والاتصالات، في وقت تتصاعد فيه الدعوات لإخضاع هذه الاتفاقيات لرقابة البرلمان قبل المضي بتنفيذها.
وتشهد الزيارة الأخيرة الى واشنطن توقيع ما يقارب 48 اتفاقية ومذكرة تفاهم مع شركات أمريكية، تقدر قيمتها بنحو 60 مليار دولار، وتشمل مشاريع في قطاعات الطاقة والرعاية الصحية والتكنولوجيا، فضلاً عن الاستثمار في الصناعات المختلفة.
ووفق تقارير اقتصادية، أن الاتفاقيات تضمنت تعاونا وشراكات بين وزارتي النفط والكهرباء وعدد من الشركات الأمريكية، من بينها إكسون موبيل، وكي بي آر، وجي أي فيرنوفا، وشل، وهاليبرتون، إضافة إلى صفقات لإنشاء خط أنابيب لنقل النفط الخام بين العراق وسوريا.
كما وقع المسؤولون العراقيون ثلاث اتفاقيات مع شركة شيفرون الأمريكية، ركزت اثنتان منها على تعزيز إنتاج النفط في حقلي غرب القرنة 2 والناصرية النفطيين في جنوب العراق، فيما تضمنت الاتفاقية الثالثة استثمار الشركة في مشروع خط أنابيب لنقل النفط بين العراق وسوريا.
وفي قطاع الطاقة الكهربائية، وقعت الحكومة اتفاقية مع شركة جنرال إلكتريك الأمريكية لتنفيذ خطة شاملة لتأمين الطاقة الكهربائية في البلاد، كما أبرمت بغداد اتفاقية مع شركة ستارلينك المتخصصة في خدمات الإنترنت الفضائي والاتصالات عبر الأقمار الصناعية لإدخال خدماتها إلى العراق، وهي خطوة أثارت اعتراضات سابقة في الأوساط النيابية التي اعتبرت أن المشروع سيؤدي إلى رهن فضاء العراق الإلكتروني وإدارته من خارج الحدود.
وامتدت الاتفاقيات أيضاً إلى القطاع الزراعي، حيث وقع العراق اتفاقيتين مع شركة فريتو لاي الأمريكية لتطوير القطاع الزراعي، إلى جانب شراكات مع شركات متخصصة في المجالات الزراعية والتجارية والصناعية.
ويرى مختصون في الشأن الاقتصادي أن أي اتفاقية من هذا النوع ينبغي أن تُعرض على مجلس النواب للتصويت عليها، مؤكدين أنه لا يحق لرئيس الوزراء رهن مقدرات البلاد أو إبرام اتفاقيات استراتيجية بهذا الحجم من دون المرور بممثلي الشعب وإخضاعها للمراجعة والتدقيق، ولا سيما في ظل التجارب السابقة مع الشركات الأمريكية العاملة في العراق.
وأكدوا أن أمريكا كان لها، دور سلبي في عدد من ملفات الطاقة والاستثمار، وأن العراق لم يحقق الفوائد المرجوة من وجود تلك الشركات، رغم التحديات الاقتصادية الكبيرة التي يواجهها، فضلاً عن استمرار ارتباط الأموال العراقية المودعة في البنك الفيدرالي الأمريكي، الذي يُعد أحد المؤثرين في حركة السوق المالية العراقية.
ولفتوا الى أن ما يوصف بالاتفاقيات الاستراتيجية مع الجانب الأمريكي لا يعدو كونه شكلاً جديداً من أشكال الاستعمار الاقتصادي ولكن بحلة مختلفة، يتم تمريره عبر الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بدلاً من الوسائل التقليدية.
وفي ذات السياق أكد الخبير الاقتصادي هيثم الخزاعي، في حديث لـ”المراقب العراقي” أن إبرام اتفاقيات بهذا الحجم المالي يتطلب عرضها على مجلس النواب، حتى وإن كانت تتضمن مشاريع يمكن أن تحقق فوائد للعراق، مشدداً على ضرورة أن تقوم تلك الاتفاقيات على مبدأ تكافؤ المصالح والاستثمارات بما يضمن تحقيق منفعة حقيقية للبلاد.
وتساءل الخزاعي عن “جدوى توقيع اتفاقية جديدة مع شركة جنرال إلكتريك وشركات أمريكية أخرى، رغم وجود عقد سابق للشركة في العراق”، داعياً إلى إجراء مراجعة شاملة لجميع العقود السابقة المبرمة مع الشركات الأمريكية لتقييم ما حققته من نتائج خلال السنوات الماضية ومدى التزامها بتنفيذ تعهداتها.
وأضاف أن “الاتفاقيات الجديدة ينبغي ألّا تدخل حيز التنفيذ قبل عرضها على البرلمان العراقي، باعتباره الجهة المخولة بمنحها الشرعية أو رفضها بعد دراستها ومراجعة تفاصيلها، بما يضمن حماية المال العام والحفاظ على مصالح العراق الاقتصادية والسيادية”.
فيما أكد مختصون بالشأن السياسي أن كلام رئيس مجلس الوزراء أمام ممثلي الشركات الامريكية في مؤتمر اقتصادي ومخاطبتهم بأنهم شركاء أساسيين وليس مقاولين وأنه رجل أعمال وليس رئيس حكومة، يُعد مغالطة كبيرة للأعراف الدبلوماسية ويحمل أبعادا خطيرة على الاقتصاد العراقي حسب تعبيرهم.



