ثقافية

“اعترافات خارجة عن الحياء” الحنين الى بساطة الماضي

المراقب العراقي/ متابعة…

رواية “اعترافات خارجة عن الحياء” تنتمي إلى الأدب الياباني المعاصر، بقلم الروائي جونيشيرو تانيزاكي، ترجمة عدنان محمد. هذا النوع من الروايات تقرأ عدة قراءات، لفائض الرموز الكامن في أحشائها، وللغتها الهادئة التي تأخذ لب المرء وتأسره، وتدفعه إلى تحليل مفرداتها المعبأة بالحمولات الثقافية الغامضة والعميقة. رموز كثيرة تتوه الذهن والعقل. وعلى الرغم من أننا نقرأ الرواية بروح الباحث عن الكلمات المتلاحقة من أجل القبض على روح النص، بيد أنها تهرب من أيدينا. نستطيع أن نقول: إن هذه الرواية نص هارب.

ونستطيع أن نقول إن الصراع ما زال على أشده في هذا اليابان القابع في أقصى الشرق. وما زال الحنين إلى الماضي قائمًا بقوة، رغم التطور الهائل في هذا البلد العملاق والعريق.

إن الصراع بين الذات، الهوية، التراث، اللغة، الوطن، القومية والعادات والتقاليد، والحنين، والغربة! بين الأنا والتاريخ والتناغم مع الذات، وهذه الحضارة الحداثية التي أجبرت شعوبا كثيرة على تبديل قيمها ومثلها وجلدها وأشكالها وعاداتها وتقاليدها لتتماشى مع ما فرض عليها من قيم من خارجها. إن الكاتب متمكن من أدوات عمله، بحيث أنه بسط خريطة وطنه على الورق، على جسد المرأة، ومضى يشرحها بمبضع الجراح المتمرس، مستخدمًا البعد الثالث والرابع. والرموز، بله أغرق الرواية بالرموز إلى درجة لم نعد نعرف الزوج من العشيق، اليابان القديمة عن اليابان الحديثة، وإلى أي انتماء تنتمي.

استطاع أن يفكك جسد المرأة، الزوجة، انطواءها على نفسها وخجلها من هذا الجسد وعدم قدرتها على الانكشاف على زوجها، مرات تحبه وأكثر المرات تكتشف أنها لا تحبه، ربما هذه الرواية تنتمي إلى الرواية السحرية، أشعر بأن روح بيدرو بارامو ساكنة في هذا العمل الجليل، الغموض يلاحق الشخصيات، وعلى القارئ أن يفكك شيفرة الإيحاءات السرية الكامنة فيها. وعلى الرغم من أن المرء يحاول الدخول في مغامرة البحث عن المفاتيح التي تمكنه الوصول إلى شط الأمان، إلا أن الكلمات تهرب منه، كلمات لا تقبض باليد، وكلما حاول الإمساك بالنص، إلا أن هذا الأخير ينزاح ويهرب إلى البعيد.

رواية مجنونة، كتبت بلغة سهلة وبسيطة، بيد أنها تجنن القارئ، تتوه الذات التائهة، تبعد الذات عن الذات، تدفعه للسؤال: ما الذي يربط كيمورا العاشق اليوم وكيمورا الزوج القديم، في ذات مختلفة متوافقة؟ اليابان القديمة الحديثة: وهذا يعود بلا شك إلى التقاليد الصارمة التي رسّختها في رأسي تربية أبويّ في أسرة إقطاعية، تقاليد بموجبها يبقى الشرف سليمًا مهما كانت الإجراءات العقلية، ما دام الإنسان لم ينم مع شخص بالطريقة الأرثوذوكسية كما اعتاد زوجي أن يقول.

تسير الرواية منذ اللحظات الأولى على نسقين متوازيين متباعدين، يتقاربان ويتباعدان، إنه عصر وعصر، بيد أن اليابان لم تكتشف هذا الغريب القادم من الغريب، من الطرف الآخر المختلف، الذي فرض نفسه على هذه الذات.

إنه صراع بين الحداثة والتقاليد، بين الانتماء إلى الذات القديمة والحاضر الجارف لكل انتماء: إلام تحتاج زوجتي إلى الأقراط والقلادات، وهي التي لا ترتدي أبدًا ملابس أوروبية؟ منذ متى راق لزوجتي أن تضع مثل هذه الأشياء مع ثياب يابانية، ولكن يجب عليّ أن أعترف بأنها تليق بها جيدًا، خاصة اللآلئ في أذنيها، فهي تناسبها أكثر مما كنت أتوقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى