ثقافية

 ” حياة متوسطية” عندما تكون المدن الغربية شبيهة بالمدن العربية والاسلامية

المراقب العراقي / متابعة…

في كتاب صدر حديثًا بعنوان “حياة متوسطية… وعندما تكون في بلاد ماركيز” ضمن منشورات وزارة الثقافة الأردنية، (134 صفحة، 2019)، وربما لم يتمكن الشاعر (الراحل) أمجد ناصر أن يراه منشورًا قبل رحيله. في هذا الكتاب يعود الشاعر والنّاثر والسّارد- الروائيّ إلى “أدب الرحلات”، ويذكّرنا بكتابة أمجد في عدد من كتبه، خصوصًا “خبط الأجنحة”، و”تحت أكثر من سماء”، وغيرهما.

الكتاب نَصّان، النصّ الأول طويل بعنوان “أمالفي: حياة متوسطية” في سبعين صفحة، والثاني “عندما تكون في بلاد ماركيز” ويشتمل على ثمانية نصوص. ويتنقّل بنا الشاعر، كعادته، في الأمكنة التي يزورها، ومناخاتها وثقافاتها وأعراقها. وهو هنا يبدأ من مدينة “أمالفي” الإيطالية، الصغيرة ولكن الثريّة بمعالمها وتاريخها، ويجول بنا في عالم المتوسّط، نابولي، وأمالفي، ويكشف لنا كم هي المدن هنا شبيهة بالمدن العربية، خصوصًا “الحواسّ تعمل بجدارة: البصر… الشمس القوية المطلّة على البشر والطبيعة دوماً”. بل إن الزمن عند الإيطاليين مثل الزمن عند العرب، “مطّاط ومرن أكثر من اللازم””.

وقبل الوصول إلى “مالفي”، يأخذنا المؤلّف في جولة على نابولي حيث “حرارة المكان والبشر والعمارة والشرفات.. شبيهة بالعالم العربي والمتوسط”، وحيث “الحياة المتوسطية تُعاش في الهواء الطلق، بينما الحياة الغربية الأوروبية، وخصوصاً بريطانيا، تنسحب إلى الدواخل وتسدل الستائر الثقيلة كأنّما تتستّر على سر أو فضيحة…”. وهو يصف بالتفصيل الشبه بين النساء والرجال في الطريق الجديدة في بيروت، وعالم نابولي ” الغسيل يتدلّى من حبال على الشُّرُفات”، والمعمار الذي يشبه المعمار في الإسكندرية وبيروت والدار البيضاء، فهنا نجد نباتات المتوسط، ونلتقي الشاعر ألبرتو ماسالا ابن سردينيا وشعبها ذا الأصول الفينيقية، ويرى أن بنزرت التونسية أقرب إلى هنا من روما، أما اسم سردينيا القديم “سردوس” فهو اسمٌ لابن هركل ملك صور، والشعر هنا ليس حاجة جماليّة متعالية وحسب، بل هو كذلك حالة احتجاج وفضح للظلم والفساد. وهنا يحضر الشاعر الطوارقيّ خوّاد الذي يرى الشعر شبيه الكَهانة، وهو نفسه شامان مسلم يكتب بأبجدية “تيفناغ” فينيقيّة الأصل.

ومع المرور على بركان فيزوف الشهير، والبشر القاطنين حوله عن قرب، يذكّرنا أمجد بكارثة بركانية في مدينة تُدعى “بومبي”. البركان الذي دفن بيوت “بومبي” وشوارعها ستة عشر قرناً تحت طبقات من الرماد الصلب، ولعلها كما يقول المدينة “الوحيدة في العالم حافظت على لحظة ثابتة في التاريخ. لحظة جمدتها حمم البراكين إلى الأبد.. بشر صاروا مومياوات حجرية…”. ويتوقف عند طريق مرعبة إلى أمالفي، طريق جبلية حادة، أمالفي الجبل وبيوتها بين السماء والبحر، فالمدينة تشبه صخرة كبيرة، ولها حضورها المهمّ في الفنون عامة، والسينما خصوصاً. ويذكّرنا المؤلّف بالتشابه بين الأماكن الإيطالية والأماكن العربية، فهذا جبل “لاتري” (الحليب) يذكّر بجبال عمان، وهنا ثمة كنيسة بناؤها كالجامع الأمويّ حيث العمارة عربية إسلامية.

ويعرّج على تاريخ من الغزوات شهدتها المدينة، وكان “الساراسيّون” العرب بين أبرز الغزاة منذ 827 ، في صقلية، ثم الاغالبة والفاطميون الذين حكموا جنوب إيطاليا عام 200. لكن العرب وقبائل من الشرق وسورية، لم يكونوا مجرّد غزاة، بل تركوا آثاراً مهمّة خصوصًا في مجال العمارة والزخارف. ومن بين الملامح التي تجذب الانتباه، الفندق البيتيّ الطابع الذي ينزل فيه، حيث يبدو “شظية متطايرة من الأبد، ويبرز الانسجام قريبًا من التجلّي الصوفيّ، والمشهد الريفي المتقشف يردّ الى الطفولة الملجأ.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى