غريب على الخليج !

د. محمد فلحي
أستعير عنوان قصيدة الشاعر العراقي المرحوم بدر شاكر السياب للتعبير عن ذلك الحزن على طبيعة العلاقة بين الأشقاء، التي يلخصها السياب بصرخته قبل نصف قرن: “صوت تفجّر في قرارة نفسي الثكلى: عراق كالمدّ يصعد، كالسحابة، كالدموع إلى العيون الريح تصرخ بي عراق”!.
العراق منارة العرب الشامخة ورمز حضارتهم وعزتهم، وهو بوابة الخليج على العالم، تجمعه مع محيطه العربي وجواره الخليجي وشائج النسب واللغة والدين والتاريخ، فضلاً على المصالح المشتركة والمصير الواحد، لكنه يعاني اليوم من”ظلم ذوي القربى” ويعامل معاملة الغريب، لا لذنب ارتكبه سوى ريادته ومحاولته النهوض بتجربة ديمقراطية، وسط خليط عجيب من الأنظمة السياسية الملكية والقبلية والدينية الطائفية، التي تنتمي لعصور ما قبل التاريخ !.
كانت مشكلة الأشقاء الخليجيين مع العراق في زمن الدكتاتورية مزيجا من الخوف والشعور بالنقص، وفي ظل النظام السياسي الجديد يفترض أن يسود العلاقة بين الطرفين نوع من الثقة والأمان والتعاون، فالديمقراطية لا تهدد ولا تضر إلا من يختار الوقوف في الخندق المضاد، للتغطية على عجزه وتخلفه وضآلته.
خلال الأسبوع الماضي سمع العراقيون تصريحين غريبين لوزيري خارجية قطر والأمارات العربية،أولهما قال في ختام زيارته لبغداد، بعد قطيعة طويلة،رداً على اسئلة الصحفيين العراقيين حول دور قناة (الجزيرة) في دعم الارهاب..قال: “لدينا حرية اعلام، ولا يمكن في حال من الاحوال ان تكون الجزيرة معبرة عن السياسة القطرية، فالسياسة القطرية واضحة ونحن نتعامل من خلال القنوات الرسمية مع الحكومات وليس من خلال قناة تلفزيونية”، مشيرا الى ان “موقف قطر ثابت بمكافحة الارهاب ولا يستطيع أحد ان يزايد على موقف قطر”!
وثانيهما وزير خارجية الإمارات الذي اتهم الحكومتين السورية والعراقية بأنهما سبب انتشار الارهاب لعدم عدالتهما، وذلك خلال زيارته إلى موسكو، بعد أقل من أسبوع على زيارة رئيس الوزراء العراقي للعاصمة الروسية، التي تم خلالها عقد صفقات تسليح وتعاون أمني لمواجهة الإرهاب الذي يجتاح المنطقة العربية والعالم .
الوزيران الخليجيان “يبيعان الماء في حارة السقايين” ويلقيان دروساً في الديمقراطية على العراق، ويمكن أن يصدق الناس كلام الوزير القطري حول حرية الإعلام لو كانت هناك عشر فضائيات ذات اتجاهات سياسية مختلفة تنطلق من تلك الجزيرة التي تحتل نصفها قاعدة السيلية للقوات الأميركية،أو يمكن أن يكون كلام الوزيرين مفيداً لو توفر في بلديهما دستور وبرلمان وحكومة منتخبة وأحزاب سياسية ووسائل اعلامية مستقلة وحرية تعبير للجميع .
هناك اتهامات موثقة واعترافات حول تورط عدد من الأنظمة الخليجية، في دعم الارهاب فكرياً وسياسياً وتمويله مادياً ورفده بشرياً بمعين لا ينضب من القتلة والانتحاريين الشاذين دينياً وسلوكياً.
الرأي العام العربي يدرك خطورة الأنظمة الشمولية القبلية الوراثية على أمن المنطقة والعالم، ويفهم الجميع لماذا تُحارب تجربة العراق بهذه الشراسة، ويحاول بعضهم افشالها عبر الاتهامات الملفقة المضحكة حول تركيبة الحكومة، أو التشكيك في تكوين القوات المسلحة العراقية، ومن ضمنها آلاف المتطوعين المجاهدين الذي يحاربون الإرهاب، والذين يسميهم الأخوة الأعداء بـ(الحشد الطائفي) أو (الميليشيات الصفوية)! التصريحات غير المعقولة لا تعبر إلا عن المستوى العقلي لصاحبها، في حين تستمر انتصارات العراقيين وتتواصل مسيرتهم نحو الاستقرار والرفاهية بعد دحر العصابات الإرهابية، في موعد قريب بمشيئة الله.




