“بريد الليل” تخرج من قيد اللغة وتقنيات السرد

المراقب العراقي/متابعة…
من بين عدة روايات لأسماء محترفة ولامعة، اجتهد كتّابها لتقديمها على أفضل نحو، مستوفية لأدوات الكتابة وعناصر الرواية الكلاسيكية التي تفوز عادة بالجوائز، تفوز “بريد الليل” لهدى بركات بأهم جائزة للرواية العربية، وتكسر كل التوقعات بهذا الفوز الذي يؤسس لمرحلة مبتكرة وجديدة، تعتمدها لجان التحكيم من جهة، والكاتبة من جهة أخرى، في تقييم وتقديم الرواية حسب معايير عالمية حداثية، تنحاز إلى المعنى، وتخرج من قيد الأدوات المتعارف عليها، من لغة وتقنيات سرد.
توخّت رواية “بريد الليل” السهولة اللغوية، ربما لأنها لا تجد سبباً لإرهاق القارئ وتضليله بالتفخيم والتكثيف، طالما أن السرد، على سجيته، يقوم بمهمة الكشف عن العوالم الداخلية لشخصيات العمل، ووصف البيئة المحيطة بهم بسهولة ويسر، وهذا ما يؤهلها لتأخذ مكاناً بين أسماء كتّاب معاصرين وعالميين استطاعوا، من خلال السهولة اللغوية، والقفز خارج أسوار الرواية الكلاسيكية، بأن يكونوا الأكثر مبيعاً، والأكثر قرباً من القارئ. ومنهم، على سبيل المثال، الإيطالية سوزانا تامارو، والفرنسي ديفيد فوينكينوس.
في بداية الأحداث، يجهز القارئ نفسه ليقرأ عملاً يدور في أجواء رومانسية وهادئة، بعيدة كل البعد عن اضطرابات الحداثة وعنفها، وذلك حين يبدأ بطلها الأول بكتابة الرسالة الأولى (كما سيفعل بقية الأبطال لاحقاً) إلى التي دعاها بـ”عزيزتي”، هو الذي لم يكتب رسالة واحدة في حياته، عدا عن رسالة وهمية تقلبت في رأسه طيلة حياته ولم يكتبها، كون المرسل إليه المنشود لا يحسن القراءة، وما من سبيل ليقرأها له أحد.
الرسالة الأولى، في هذه الرواية، والتي تنسحب عليها بقية الرسائل، تقدّم رجلاً مضطرباً، بكل تقلباته وألمه وتردده وندمه، وتدهش القارئ بكم الحبكات الفرعية التي تنسج حياة واحدة، يكون فيها الهروب المستمر من الحميمية دافعاً لحماية الذات التي لا تريد أن تعود إلى عذاب ما بعد النقطة الفاصلة بينه وحيداً، وبينه مع أمه، وقت كانت هناك، لتطرق الكاتبة قضية قلما تطرقت إليها الرواية العربية، وهي العلاقة الملتبسة بين الطفل والأم، التي تعتبر الحبكة الرئيسية في غالبية الحكايات والحيوات.



