ثقافية

“الملك في بِجامته” الزمن الفاصل بين عهدين 

كيلان محمد

انعطفَ الروائي خضير فليح الزيدي في عمله «الملك في بيجامته» الصادر من دار الرافدين – بيروت إلى حلقة إشكالية وابتعد عن المناخ السائد في روايات ما بعد 2003 إذ يستعيدُ لحظة فارقة في تاريخ العراق وهي الانتقال من الملكية إلى الجمهورية، وبهذا يفتحُ أفق الاشتغالات الروائية بوجه إمكانيات ورهانات جديدة. أكثر من ذلك فإنَّ صاحب «فاليوم عشرة» قد غامر على المستوى البِنائي، ومضى بعيداً في التجريب وتوظيف أُسلوب ميتا السرد، إضافة إلى تمكنه في الدفع بشخصيات تاريخية إلى فضاء عمله متجاورة مع ما نحتهُ من شخصيات مُتخيلة، كما أن السردَ يتحركُ بين أزمنة مُتعددة، فضلاً عن انفتاح النص على فن المسرحية والسيرة الذاتية، ما يعنى ضرورة استنفار مدارك القارئ حيث يختبر النص مستوى وعيه، إذ تتقاطعُ قصص بصيغ مُختلفة في سياقِ هذا العمل، وتتحول شخصية خالد الذي سُمي بشيخ الروائيين من دون أن يكون لديه مؤلف روائي إلى خيط ناظم لمسلسل الأحداث.

قبل الدخول إلى أجواء الرواية، يوردُ الكاتبُ ثلاثة تقارير في المقدمة، ولا تنفصلُ هذه المادة التقريرية مما تتوالى من الوحدات السردية… يضعُك التقرير الأول أمام ملابسات محاكمة شخصية جميل قرة تبى الذي كان يشتغلُ في دائرة الاتصالات والبرق في العهد الملكي وما يردُ في حيثيات محاكمتهُ يظهره في إهاب شخصية أبيقورية، لذلك ما أنْ يصدرَ الحكم ُباعدامه شنقاً حتى يهتف بشعارات زاخرة بشحنات تهكمية «يحيا رقص، تحيا رحلو».

ويلي هذا التقرير مقالُ شيخ الروائيين حول تفشي الوباء في الرصافة القديمة وتفيدُ الرسائلُ المتبادلة بين المواطنين بأنَّ أحد كتاب بغداد راح ضحية للوباء. كما يصفُ شيخ الروائيين ما يسود في المدينة من الهرج والمرج عقب انطلاق الجرذان من كل حدب وصوب… والتقرير الثالث هو من مُنظمة الصحة العالمية التي تحدد نوع الوباء، مشيراً إلى أنه سبق واجتاح جنوب غربي آسيا في الأزمنة الماضية.

ما أشرنا إليه آنفاً من المتون التمهيدية يكشفُ عن الصياغات المتنوعة في المبنى الروائي، إذ ينحو السرد منحى مُغايراً في الباب الأول حيثُ يذكرك الراوي بالكارثة التي حلت في بغداد ثُم ينعرجُ إلى موضوع المسرحية التي طُلبَ منه حضور تمارينها الأخيرة، يتلقى شيخ الروائيين الدعوة من «براق الكوني»، فالأخير أسند إليه دور الجزار في العمل المُقتبس من رواية «عماد الآغا» الذي وافته المنية في عام الوباء قبل أن يكمل الفصل الأخير، يهمين ضمير المُتكلم على الفقرات التي يروي فيها شيخُ الروائيين تفاصيل بروفة المسرحية والنقاشات التي احتدمت بين القائمين على انجاز العمل فضلاً عن إشارته إلى موقع بناية معهد الفنون الجميلة المعبقة برائحة الإناث اللائي سكنَّ فيها، ما يستدعي الحديث عن علاقته بالرائحة واحتفاظه بحاسة الشم رغم وصوله إلى خريف العمر.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى