ثقافية

سؤال الدين والحرية في النهضة الحسينية

المراقب العراقي/متابعة…

هذه الورقة تهدف الى محاولة فهم دور النهضة الحسينية في تحرير الانسان من العبودية المادية والاجتماعية والسياسية، وذلك عبر كلمات الامام الحسين (ع) التي تمحورت في هذا الجانب.

فالنهضة الحسينية هدفت الى تحرير المفهوم الديني القائم على استغلال السلطة الاستبدادية او الفاسدة لاستعباد البشر، واثبات ان الحرية هي الأصل الاولي عقائديا في عملية تحرير الانسان من اجل ممارسة مساحته في الاختيار والإرادة الحرة وتحقيق كرامته.

قال الامام (عليه السلام) في مسيره إلى كربلاء (إن هذه الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل أ لا ترون أن الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء الله محقا فإني لا أرى الموت إلا سعادة ولا الحياة مع الظالمين إلا برما إن الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معايشهم فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون).

 

قال الله تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم – 256. الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم

من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) – 257 البقرة.

(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) يونس (99)

 

تشكل الحرية اصلا عقائديا يمثل محورا أساسيا في الإيمان بأصل التوحيد والعدل والمعاد، وهذا يعني ان إنكار الحرية وسلب الاختيار عن الإنسان قد يؤدي إلى إنكار هذه الأصول العقائدية والى إثارة مجموعة إشكاليات.

أولا: ان إنكار الحرية يعني مشاركة عبودية الإنسان لغير الله تعالى أيضا، وهو أمر غير سليم فالعبودية لله تعالى وحده. واصل التوحيد يؤكد ان عبودية الإنسان لله وحده وانه يتساوى مع الآخرين أمام الباري تعالى، فقول البعض بعدم حرية الإنسان هو قول يؤدي بالنتيجة إلى عبودية الإنسان لغير الله.

وثانيا: ان القول بعدم الحرية يعني القول بالجبر وسلب قدرة الإنسان على الاختيار، وهذا الامر يقود إلى مجموعة نتائج أساسية منها:

– عبثية خلق الإنسان وعدم تحقق الغاية من وجوده إذ مع عدم حريته تبطل فلسفة الابتلاء والامتحان.

– مع كون أفعال الإنسان جبرية تصبح أفعاله غير هادفة ويلغى دوره العقلي والفكري والحضاري وبالتالي يلغى شيء اسمه العقل ويصبح من غير الحكمة ان يحاسب على افعاله وتقيم لأنه غير مسؤول عنها.

– هذه المبررات تنفي مسؤولية الإنسان عن أفعاله وذلك يعني نفي حقيقة الثواب والعقاب وإلغاء كافة القوانين والشرائع ومحاكم الجزاء إذ كيف يمكن مكافأة إنسان أو عقابه عن شيء هو غير مسؤول عنها.

– ان القول بعدم الحرية يعني انتفاء الغاية من بعث الرسل والأنبياء ووجود الأئمة عليهم السلام أجمعين، إذ ما الفائدة من وجودهم مع عدم قدرة الإنسان على الاختيار، لان دور الأنبياء والرسل هو إرشاد العاقل الحر ومساعدته على الاهتداء وإثارة عقل الإنسان وتوجيهه نحو طريق الخير والفضيلة والقاء الحجة الإلهية عليه.

ومن هنا كان الهدف من بعث الأنبياء وإرسال الرسول الظاهري هو لإثارة الحجة الباطنة وهي العقل وتحريك الإرادة ودفع الإنسان لحريته يقول تعالى: (ويضع عنهم اصرهم والأغلال التي كانت عليهم). الاعراف157

اما أسباب العبودية للطاغوت فهي :1- المادية المتضخمة التي ترسخ العبودية الدنيوية

(الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معايشهم)

وقال الامام علي (عليه السلام) أيها الناس إياكم وحب الدنيا فإنها رأس كل خطيئة وباب كل بلية وقران كل فتنة وداعي كل رزية.

وَقَالَ (عليه السلام): أَلَا حُرٌّ يَدَعُ هَذِهِ اللُّمَاظَةَ لِأَهْلِهَا إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا.

ان الاستعباد الحقيقي هو الاستعباد الداخلي حين تسيطر على الإنسان أهواءه وشهواته وغرائزه ويكون عبدا ذليلا لها تأخذه أينما شاءت، وهذا الاستعباد الداخلي هو مصدر للشرور الخارجية ووقوع الإنسان في دائرة الاستعباد الخارجي، فالإنسان يفقد حريته عندما يفقد قدرة تسلطه على نفسه. وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) معبرا عن ان الحرية تنبثق من الذات: لا تكن عبد غيرك وقد خلقك الله حرا.

عن أمير المؤمنين(ع): الحريص أسير مهانة لا يفك أسره، عبد المطامع مسترق وكل طامع أسير، لا يسترقنك الطمع وقد جعلك الله حرا، لا تكونوا عبيد الأهواء والمطامع، عبد الشهوة أسير لا ينفك أسره، مغلوب الهوى دائم الشقاء مؤبد الرق.

ويمكن فهم كلمة الأمام الحسين(ع) في يوم عاشوراء من هذا المنطلق حيث قال مخاطبا معسكر يزيد: ان لم يكن لكم دين وكنتم لا تؤمنون بالمعاد فكونوا أحرارا في دنياكم. فعندما يكون الإنسان أسيرا وعبدا لمصالحه الضيقة يفقد الرؤية الصائبة ولكن عندما يتجرد عن مصالحه وأهواءه وشهواته يتحرك ضميره وتنبعث منه الروح الحرة. فإذا تحررت روح الإنسان من التعصب والشهوة والجهل ورجع إلى فطرته النقية فانه بالتأكيد سوف ينقاد نحو الفضائل والأخلاقيات السامية والإيمان.

ان الحرية الحقيقية هي الحرية الروحية والمعنوية وتصبح مساحة الحرية المادية بدونها لا معنى لها خالية من محتوى الوجود الإنساني خصوصا عندما: نربط الحرية بعبارات مثل اللذة والمتعة والإشباع مما يجعلها تافهة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى