علي المندلاوي تشكيلي عراقي شق طريقه نحو المنصات العالمية

المراقب العراقي/ علي ابراهيم..
يُعد الفنان التشكيلي علي المندلاوي، صاحب تجربة تشكيلية استثنائية تمتد لأكثر من أربعة عقود، حيث نجح في تحويل الكاريكاتير والبورتريه الساخر إلى فلسفة بصرية تغوص في أعماق الروح الإنسانية. ومن طفولته بين ريف مندلي وشناشيل بغداد، شق طريقه نحو المنصات العالمية، متمرداً بريشته الجريئة على قوالب المحاكاة التقليدية ليوثق الذاكرة والوجدان.
لا يقف فن البورتريه الكاريكاتيري عند حدود المحاكاة البصرية أو التشويه الفكاهي لملامح الوجه، بل هو في جوهره قراءة تفكيكية لبناء الشخصية الداخلي، وإعادة صياغة الهوية الإنسانية وفق رؤية فلسفية تختزل التأريخ والموقف في خطوط وألوان.
إن تجربة المندلاوي، التي تمتد لأكثر من أربعة عقود، لم تكن وليدة المصادفة، بل هي نتاج حراك معرفي وأكاديمي واعٍ، حيث نال دبلوم معهد الفنون الجميلة عام 1979 وبكالوريوس أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد عام 1986 بتخصص التصميم الطباعي. ومن خلال الغوص في العوالم السيكولوجية للمشاهير، استطاع المندلاوي أن يبتكر الواقع الخاص به، محطماً المرآة التقليدية ليقدم للمتلقي حقيقة أخرى للشخصية، حقيقة يمتزج فيها الشبه الخَلقي الدقيق بالفلسفة النفسية العميقة.
تتشكل البدايات الأولى للفنان علي المندلاوي من تداخل بيئتين متناقضتين في تلوينهما البصري والحسي، وهو ما يصفه بالعيش في طفولتين: الطفولة الأولى “جنان مندلي”، في قريته الريفية الكبيرة “كبرات”، أين تفتحت عيناه على الطبيعة العذراء، وأشجار النخيل، وعصافير الأرياف، والأهم من ذلك على المنحوتات الطينية التي كان يصنعها شقيقه الأكبر موسى. هذه التماثيل البدائية للراقصين والحيوانات شكّلت صدمته الجمالية الأولى وداعبت خياله الطفلي.
هذا النشاط الاستثنائي قاده للقاء الفنان حمودي الحارثي، والظهور في برنامج “جنة الأطفال” الشهير مع عمو زكي، ليدخل من الباب الكبير إلى عالم الصحافة كرسام واعد في مجلتي “مجلتي” و”المزمار”، وينشر أول رسم كاريكاتيري له في جريدة “التآخي”.
ويمثل الرسم للأطفال في مسيرة المندلاوي محورا إبداعيا مستقلا وليس مجرد مرحلة عابرة. يصف المندلاوي مطبوعات الأطفال بأنها “شجرة الفاصولياء السحرية التي تسلقها في طفولته وأبقته في فردوسها”.
في هذا الفضاء، يرفض المندلاوي الانصياع للواقع الكلاسيكي البليد، فهو يعيد إنتاج الكائنات، والطيور، والحيوانات، والطبيعة وفق منظور “المندلاوي” خالص يتميز بالجرأة اللمسية والشفافية اللونية، وهو ما جعل رسومه تأسر عقول الأطفال وتساهم في تطوير ملكاتهم الإبداعية.
إن الرسم للطفل، بحسب رؤيته، هو التزام بنص يقترحه كاتب آخر، لكن حريته الكاملة تتجلى في ابتكار البيئات والتقنيات الصبغية التلقائية التي تنضج في فرن خياله المتقد.
المندلاوي يمتلك أسلوباً لا يشبهه أحد، حيث يمثل اتجاها بخصائص فنية فريدة في طرح الفكرة والأسلوب الفني والتقنية. كالخلفيات والكولاج، جميعها إشارات دلالية عميقة. يعبر الفنان المصري الكبير جورج البهجوري عن هذه التجربة بقوله “إن المندلاوي يشترك في تحطيم مرآة الشخص المرسوم وإقناعه بمرآة كاريكاتيرية حقيقية تكشف عمقه النفسي، وتجعل صورته القديمة في المرآة تبدو وهما”.
ويحمل الفنان وجهة نظر سوداوية وصريحة إزاء الواقع العراقي بعد مرحلة التغيير عام 2003، فهو يرفض بشدة توصيف المرحلة بأنها عصر انفتاح وديمقراطية، بل يراها “فوضى عارمة وانحطاطا وفسادا إداريا وسياسيا وثقافيا” قاد البلاد إلى الضعف وامتهان كرامة الإنسان. ويعبر عن إحباطه من المؤسسة الرسمية، مشيرا إلى أن وزارة الثقافة شبه عاطلة عن دعم المبدعين، وهو ما تجسد في غياب الدعم لكتابه التوثيقي الهام “وجوه” الذي استغرق عامين في إعداده، واضطر إلى توقيعه في احتفالية نظمتها جمعية مدنية هي “جمعية الثقافة للجميع” وسط بغداد.
ومع اشتداد الظروف السياسية الصعبة والحصار الاقتصادي في تسعينيات القرن الماضي، غادر المندلاوي العراق وتنقل في منافٍ متعددة بين الأردن وتونس وهولندا وبريطانيا.
ولا يمتلك المندلاوي طقوساً معقدة للرسم، سوى انحيازه التام لمملكة الليل وسكونه، متدثرا بأنغام الموسيقى أو صوت جارة القمر فيروز الذي رافقه منذ أيام القرية عبر الراديو، حيث يصف صوتها بأنه الندى الذي يتسلل بجرسه العذب ليمتزج بألوانه المائية. ويتأثر المندلاوي بمدارس فنية متنوعة، مستحضراً أعمال البلجيكي فولون، والتشكيلي العراقي ضياء العزاوي، والأرجنتيني مورديللو.
قاد هذا التفرد الفنان علي المندلاوي إلى منصات التتويج العالمية والمحلية، محققاً مكاسب معنوية مهمة للحركة التشكيلية العراقية؛ إذ نال الجائزة الأولى في معرض الكاريكاتير العربي الأفريقي بدار الأوبرا المصرية عام 1990، والتقى بدعوة شخصية من رئيس المهرجان عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليتوّج بالجائزة الكبرى -مناصفة مع فنانين عالميين من روسيا والأرجنتين ورومانيا- في الدورة الـ14 للمهرجان الدولي للفكاهة في رومانيا (مسابقة ميهاي أونيسكو) عام 2010، تلاها حصد الجائزة الأولى في مسابقة الفنان الكبير “جورج البهجوري” للبورتريه الكاريكاتيري في مصر عام 2016.



