اخر الأخبارثقافية

الحسين يُقتل ثانية.. عزلة الأحزان

مع غياب الكهرباء، وتحت ضوء مصباح صغير يقتطع من العتمة مساحةً للعناد، يعود شوقي كريم حسن إلى محرابه الأول؛ إلى تلك العزلة التي لا تشبه سوى اعتراف طويل مع الذات. في هذا الاشتغال الذي يذهب إلى مشروع «الحسين يقتل ثانية»، لا تبدو الكتابة مجرد فعل تدوين، بل محاولة لفتح المعنى على أسئلته المؤجلة، لأن الحسين ليس حادثةً منتهية في التأريخ، بل معنى متجدد، والمعاني الكبيرة لا تكتفي بالوراثة، وإنما تحتاج إلى تفسير واضح وانتماء روحي صادق. وإذا كانت الرواية العراقية قد عرفت مشاريع سردية كثيرة، فإن التجربة الروائية التي يتأسس عليها هذا العمل تحاول أن تقدم نفسها بوصفها مشروعاً سردياً مختلفاً، لا يكتفي بإعادة سرد المأساة، بل يسعى إلى مساءلة حضورها في الوعي المعاصر، وكيف يمكن للقتل أن يتكرر بأشكال أخرى حين يُختزل الرمز، أو يُفرغ المعنى من جوهره الإنساني.

إن هذا المشروع السردي، بوصفه أحد المشاريع العراقية التي تراهن على المغايرة الفكرية، ينطلق من رؤية ترى، أن الحسين معنى أخلاقي وروحي وإنساني مفتوح على التأويل، وأن الرواية ليست منبراً للوعظ بقدر ما هي فضاء للأسئلة، ومختبر لإعادة اكتشاف العلاقة بين التأريخ والإنسان والذاكرة.

في تلك الليلة التي غابت فيها الكهرباء، لم يكن الظلام سوى تفصيل عابر، كان الضوء المنبعث من مصباح صغير كافياً ليعلن انتصار الكتابة على العتمة، وليؤكد، أن الرواية العراقية مازالت قادرة على إنتاج أسئلتها الخاصة، وعلى تأسيس مشاريع سردية تتجاوز المألوف، وتبحث عن معنى جديد للمعنى ذاته. الحسين يقتل ثانية ليس استعادةً لمأساة مضت، بل محاولة روائية للإجابة عن سؤال مؤلم: كيف يمكن أن يُقتل المعنى كلما غاب الفهم الحقيقي، وكلما تحولت الرموز الكبرى إلى شعارات فاقدة لروحها؟ من هنا تنبع فرادة التجربة؛ من إيمانها بأن السرد ليس إعادةً لما حدث، بل كشفٌ لما يحدث، وأن الرواية، في جوهرها، دفاع مستمر عن المعنى ضد أشكال موته المتكررة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى