التنمية على ضوء النمو السكاني في العراق

بقلم /محمد عاكف جمال
«التنمیة» مصطلح استخداماته واسعة في مجالات شتى، إلا أن استخدامه في المجال الاجتماعي يكسبه سعة وعمقاً غیر عاديین، لأنه يصبح شاملاً لجمیع المحاور التي تتعلق بحیاة الفرد والعائلة والمجتمع والكیان السیاسي دستوراً وقوانین.
للتنمیة فلسفة وأھداف وأسالیب ولھا معوقات كذلك، فلسفتھا المعاصرة تستند إلى المعرفة، وھو ما يعني تنمیة علمیة مستدامة تعمل على تضمین البعد البیئي في الخطط المعتمدة على المستويات الاقتصادية والتربوية والصحیة والمجتمعیة، وتأخذ بنظر الاعتبار تضمین حقوق المرأة والطفل، وخلق المقومات لیصبح العراق بلداً يرتبط بالأسرة الدولیة بعلاقات إيجابیة على المستويین الإقلیمي والدولي.
أما الأھداف فیمكن تلخیصھا برفع مستوى معیشة الفرد عبر زيادة دخله المادي وتعزيز مستوى الخدمات التعلیمیة والصحیة والمجتمعیة المتاحة له، أما أسالیب تحقیق ذلك فتكمن في الإدارة الجیدة والخطط المتبعة على الأمدين القريب والبعید للاستفادة من الموارد الطبیعیة
المتاحة، ومن الموارد البشرية المتوافرة، وتوظیف العلاقات الإقلیمیة والدولیة في ذلك.
أما المعوقات فھي كثیرة في مقدمتھا الفساد السائد في مؤسسات الدولة على شتى المحاور والترھل الشديد في ھیاكل ھذه المؤسسات وفقدان الرؤية نحو بناء الدولة وفق معايیر معاصرة على أسس المواطنة ولیس المحاصصة وخوض حراك سیاسي وفق الاصطفاف في تیارات «سیاسیة» ولیس في تیارات «مكوناتیة».
والحقیقة لیس ھناك من معنى للحديث عن التنمیة، ما لم يكن ھناك استقرار سیاسي وأمني ودولة تتمتع بالسیادة على خططھا وقراراتھا.
في تقرير صدر في الأول من تشرين الأول 2018 عن الجھاز المركزي للإحصاء التابع لوزارة التخطیط العراقیة ورد فیه أن عدد سكان العراق قد تجاوز 38 ملیون نسمة حسب تقنیة الإسقاطات السكانیة .
حیث يزداد عدد السكان سنوياً بما يتراوح بین 850 ألفاً إلى ملیون شخص، علماً بأن آخر عملیة إحصاء میداني للجھاز قد جرت عام 1997.
والحقیقة أن ھذا الرقم يستوجب بعض التوقف للتعرف على مدى تأثیر ھذه الزيادات السكانیة على مستقبل البلد على الأمد البعید.
المتابع لحركة الزيادات السكانیة ھذه ينتابه القلق من سرعة القفزات في فترات زمنیة قصیرة، فقد بلغ عدد سكان العراق وفق إحصائیة عام 1979 اثني عشر ملیون نسمة ارتفع إلى ستة عشر ملیون نسمة في إحصائیة عام 1987 ثم إلى اثنین وعشرين ملیون نسمة في إحصائیة عام 1997.
ھذه الزيادات السكانیة تعتبر من المعدلات المرتفعة نسبیاً في العالم، فوفق جدول التوقعات السكانیة لعام 2019 الصادر عن الأمم المتحدة يبلغ معدل النمو السكاني السنوي في العراق 28.2 %فھو يزيد على نظیره في مصر (2 %)وفي الباكستان (1.2%)الدولتین اللتین تعانیان من الزيادة السكانیة.
ھذا مقابل معدل منخفض جدا في المعدل السنوي لنمو الناتج المحلي الإجمالي البالغ (6.0 (% مقارنة بنظیره في مصر (3.5 % )وفي الباكستان (4.5 % )وفق تقرير البنك الدولي لعام 2018 .الزيادة السكانیة تلقي بأعباء كثیرة على قطاع الخدمات عامة وتلقي بتداعیاتھا
على قدرات الدولة على التعامل معھا.
فالنمو الاقتصادي، وتحسن مستوى المعیشة لا يتوقف فحسب بل يبدأ بالتراجع مع استمرار بقاء أو توسع ھذه الفجوة بین حجم النمو السكاني، وحجم النمو الاقتصادي المتعثر منذ سنوات عدة بفعل الفساد والديون الخارجیة والتذبذبات بأسعار النفط والتراجع الكبیر في دور
الصناعات الوطنیة في الاقتصاد.
النمو والتطور لا يتأتیان بزيادة عدد السكان بل بزيادة فرص التنمیة على مختلف المحاور خاصة في دولة كالعراق تعاني من ضغوطات إقلیمیة على مصادر میاھھا تجعلھا تعیش في شح مائي يفرض قیوداً شديدة على قطاع الزراعة، آخذين بنظر الاعتبار أن مصادر الدخل القومي الرئیسیة ثروة ناضبة وھي النفط الذي شكلت إيراداته 86 %في موازنة 2018 ،في حین شكلت الإيرادات غیر النفطیة شاملة الضرائب والرسوم النسبة المتبقیة.
في ضوء ذلك يصبح من الضروري أن تضع الدولة في دائرة اھتماماتھا مسألة الزيادة السكانیة كأحد العوامل المعیقة للتنمیة ومعالجة ما يتصل بھا من حساسیات بحكمة، والعمل على نشر الوعي والثقافة والاستفادة من تجارب الشعوب، التي سبق أن نجحت في معالجة قضايا من ھذا القبیل.



