اخر الأخبار

من حقائق التاريخ لماذا لجأ أمراء حائل إلى «سياسة الإسترضاء» مع العثمانيين؟

yiuyiuy

على الرغم من انتشار الفكر السلفي في معظم أنحاء نجد وما جاورها ، وأنه ليس بخافٍ أبداً أن سكان حائل مسلمون يتعبدون المذهب المالكي خلافاً لإخوانهم الحنابلة هناك ، لكن خصوصية موقعهم الجغرافي وطبيعة علاقاتهم الإقليمية، وجوارهم المتنوع ، حتّمت عليهم تبني أفكار أقرب إلى الاعتدال والوسطية منها إلى الانغلاق والتشدد ، وكان لما ذكر أعلاه انعكاسات إيجابية على تعاملهم مع ضيوفهم . لذلك نرى أن قبيلة شمر (المادة الأساسية التي يتشكل منها السكان) لم تقبل الفكر السلفي إلا بصعوبة ، وفي عهد متأخر من الدعوة الوهابية، لأسباب آنية وتحت ظروف خاصة ، كما لم تشارك في نشر تلك الدعوة خارج حدود نجد(. وذكر المؤرخ والموظف في حكومة الهند البريطاينة لوريمر J.G. Lorimer في موسوعته (دليل الخليج القسم التاريخي) أن معظم أبناء الإمارة لم يستحسنوا سياسة أميرهم المؤسس عبد الله بن علي الرشيد الذي حاول ترويج السلفية و” أعلن أن الوهابية هي مذهب دولته ” .
ولم يستمر الأمر في زمن خلفائه ، فقد كان واضحاً أن إمارة حائل – حتى وهي خاضعة لسلطة الدولة السعودية الثانية في عهد أميرها فيصل بن تركي – كانت بعيدة عن التعصب، كما أن قبائلها الطائية والشمرية اشتهرت عموماً بتسامحها الديني وضعف ميلها نحو الفكر المحافظ وقد لاحظ بالجريف: ” إن الناس هنا [في حائل] ، يقابلون التعصب والاستبداد الوهابي بكراهية دائمة صادرة من أعماق قلوبهم…” . ويبدو أن ارتباط الكثير من فروع شمر في العراق ، واستقرار عدد من بيوتاتها بالقرب من مدنها الوسطى والجنوبية أو بين ظهراني عشائره واتصالهم المستمر مع البلدان المجاورة وانفتاحهم عليها، بسبب العلاقات التجارية الوطيدة والمراعي المشتركة، جعل من الصعب على حائل مجاراة “السلفيين” في مغالاتهم العقائدية كما هو الحال مع وسط نجد وجنوبها ، وشجع حكامها على استبعاد المذهب بوصفه أداة لخدمة طموحهم السياسي . وسماحهم بدلاً عن ذلك للعصبية القبلية وللتعاضد الإقليمي أن يلعبا دوراً أكبر من العقيدة الدينية حينما سيطروا على كامل وسط الجزيرة العربية .
كما يمكن القول أن لجوء أمراء حائل إلى ما يمكن أن نسميه “سياسة الاسترضاء” مع العثمانيين كونهم من مذهب واحد ويندرج ضمن مقتضيات قربهم الجغرافي الشديد من مراكز الوجود العسكري والسياسي لهؤلاء، فحدودهم الشمالية تتاخم كلاً من بغداد ودمشق ولديهم اتصالات وثيقة مع مصر من ناحية الغرب، وتجارتهم المستمرة مع النجف وبعض المدن الفراتية الأخرى والضرورية لحياتهم الاقتصادية تجعلهم على اتصال دائم بالأتراك ورعاياهم العرب . ومن هنا أدرك زعماء الأسرة الحاكمة أنه يتعين عليهم تجنب الإثارات الطائفية والتزام نهج المسايرة وحب السلامة مع الدولة العثمانية كونه الخيار الأكثر ضماناً لمستقبل حائل ، لا سيما في ضوء وقوع طرفي طريق الحج الذين تحيا الإمارة على موارده، (العراق والحجاز) في أيديها يقول المقـدم (لويس بيلي Lewis Pelley) ” في الشمال [شمال نجد] يحتفظ التحالف السعودي مع المناطق الشمرية بعلاقات صداقة غير محددة المعالم ، حيث يتلقى بعض الهدايا عندما يكون قوياً لدرجة كافية.” .
إن ضعف الارتباط الآيدولوجي والسياسي مع الرياض انعكس تماماً على الحياة اليومية في حائل فعلى سبيل ، يتفاخرون باقتناء وسائد الحرير والسجاد الفارسي والمنسوجات القطنية الفاخرة الآتية من بلاد فارس. كما هي الحال مع التبغ الذي يجلب منها أيضاً(، فإنهم يتعاطون التدخين ويغضون الطرف عمن يمارسه مع علمهم أنه الأشد حرمة لدى الأخوان. ووجد بالجريف كتيبات تباع في سوق حائل جلبها النجفيون معهم قد يكون موضوعها الأحكام الشرعية على وفق رأي مذهبهم وكتب تحكي مناقب الإمام علي بن أبي طالب، والأئمة من ولده (عليهم السلام) ، وأخرى تتضمن روايات عصمة الأنبياء (عليهم السلام)( الأمر الذي يتحفظ عليه النجديون بشدة .
ويذكر الرحالة فالين أن الكتب – باستثناء القرآن الكريم – قليلة جداً في حائل ، ولا يملكها سوى القاضي، الذي يحتل المرتبة الثانية في الهرم الديني بعد إمام المسجد الجامع. وقد أكد له الأول أن النجف هي المصدر الرئيس لشراء الكتب عندهم( ) . ويتفق داوتي مع ما ذكره فالين وأويتنج ويضيف أن محمد بن عبد الله الرشيد كان يبدي تسامحاً مع من يخالفونه في العقيدة ، ويتحدث العربية والفارسية والتركية بدرجة واحدة من الاتقان( ) وهو دليل انفتاحه على ثقافات اممية متنوعة، وإطلاعه عن قرب على أفكارها .
في الوقت الذي يصعب فيه سكنى الأجانب أو الغرباء في نجد، وفّرت حائل البيئة المناسبة والحاضنة البديلة لسكن عدد كبير من هؤلاء فيها . يقول أويتنج أنه نزل في دار واسعة فخمة تقع فيما سماه “الحي الإيراني” تعود ملكيته في الأصل لشخص فارسي قام بتأجيره على الأخير( ) ليجعله مبيتاً لضيوفه . مما يؤشر إلى وجود جماعة لا بأس بها من الإيرانيين في حائل يقيمون فيها أو يتعاملون معها . ولا غرو في ذلك لأنهم يشكلون ثلث عدد الحجاج العابرين حائل نحو الديار المقدسة ، ولهم قوافل مستقلة وأخرى مختلطة . وأُقيم – فضلاً عن ذلك – مخيم مستقل خاص بهم للاستراحة وحفظ الأمتعة والحيوانات يقع خارج أسوار المدينة وصفته جروتروبيل Gertrude Lowthian Bell ( ) بأنه “يتألف من خمس باحات مكشوفة محاطة بجدران من طين وفيها ابراج للحراسة” ( ) يحرص الأمير على تفقده شخصياً ( )
استقر عدد من النجفيين في حائل طلباً للرزق وتوسعاً في العمل التجاري ، وبحثاً عن الأسواق الأكثر رواجاً ، وأطلق أهل حائل عليهم تسمية ” المشاهدة” – وهو أسم يدعى به العامة من أبناء النجف مفردها مشهدي أو مشهداني نسبة إلى المشهد أو المرقد العلوي المطهر . وهو من الأسماء التي أطلقها الأجانب على النجف ( ) . وقد عاشوا فيها ردحاً من النجف وشكلوا – إلى جانب أخوتهم المهاجرين من أبناء المدن الفراتية – جالية عراقية مهمة ، وأصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الحائلي الذي أضفى روح المحبة والإخاء على النازلين بين جنباته ، وعاملهم بالكثير من الود والاحترام . حتى أن بعضهم اتخذوا زوجات من حائل وتزوج الحائليون منهم( ).
ويذكر أن أحدى فروع آل الحبوبي – الأسرة العلوية النجفية الشهيرة – استوطنت حائل وعملت في التجارة ( ) ، وتصاهر آل مرزة الأسديين النجفيين مع آل رشيد أنفسهم ، وحظي أحد رجال (مرزة) بمقام محمود لدى الأسرة الحاكمة والكلمة المسموعة بينهم . وكثر مع نهاية القرن التاسع عشر نزوح العوائل النجفية إلى حائل، وظهرت عادة إرسال البعض أطفالهم إليها( )، ليخشوشنوا ويقوى عودهم في حياة البادية. ووجد النجفيون طريقهم إلى نقاط أبعد ، موغلة في عمق الصحراء ، فعلى بعد 320 كم إلى الشمال الغربي وفي إقليم الجوف التابع لحائل وجد تجار النجف في أسواقه المهمة (المارد وسوق عين أم سالم) وأسواقٍ وواحاتٍ أخرى ( ).
واجتذبت حائل شعراء من النجف , منهم الشاعر الحاج محمد بن محمد صالح آل عجينة (ت:1335هـ – 1917م) أحد الشعراء النجف المبدعين وأدبائها المبرزين كان بارعاً في نظم قصائده الشعبية والفصيحة بلهجة أهل البادية معروفاً بقابليته وألمعيته في هذا المجال( ) قرّبه الأميران محمد بن عبد الله الرشيد وأبن أخيه عبد العزيز بن متعب الرشيد (1897- 1906)، واصطفياه ونال عندهما مكانة سامية ، فكان يصحبهما في أسفارهما، ويمدحهما ويتولى الرد على قصائد الهجاء ضدهما ، ويحرض القبائل على القتال ويشيد بانتصاراتهما حتى اطلق عليه “شاعر القصر”( ) . وتفتقت قريحة شاعر آخر في النجف آزاء ما يراه من انتصارات حققها أمير حائل محمد بن عبد الله الرشيد على خصومه من القبائل البدوية و(مطير تحديداً) التي قطعت طريق الحج بغاراتها لمدة محدودة عام 1895 ، فاستطاع أن يقمعها ويخمد تمردها، ويعيد الحياة إلى الطريق مرة أخرى . لقد تركت النجف أثراً عميقاً في جيل كامل من الحائليين الذين شعروا باسمها يتردد في حياتهم اليومية ، لذلك فإن الطريق الذي يخرج من جانبها الشمالي الشرقي باتجاه العراق سموه “طريق النجف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى