كيف ننصف ضحايا فاجعة الموصل ؟!
«يجب ان نحرص على ان يكون ما -هو عادل- قوياً وما -هو قوي- عادلاً»، أطلقه فيلسوف فرنسي من القرن السابع عشر،هو بليز باسكال.
يتحدث هذا الرأي ذو الأساس الأجتماعي، عن إرتباط تحقيق العدالة، بإمتلاك من يناط به ذلك مصادر القوة، أمر يتسق مع منطق الأشياء وصيرورتها، إذ لا يمكن تصور تحقيق العدالة، بالإيمان بها وحده، ولا بالتثقيف عليها، ولا بتمنيها، إذ من المؤكد بقاء زوايا في المجتمع، لا يمكن للإيمان الولوج اليها، مثلما لا يمكن للتثقيف التأثير بها، لأن العداء للعدالة مستحكم فيها، الى درجة درجة اليأس!
الحقيقة الساطعة كالشمس، أن العدالة بلا مخالب وأنياب، تتحول الى مجرد أمنيات محبوسة، فالعدالة دون القوة عاجزة، والقوة دون العدالة مستبدة، ولقد كان النظام الصدامي قويا بلا شك، لكنه نحّى العدالة من تطبيقاته، فكان نظاما مستبدا..
نظامنا السياسي الراهن، تكتنف تفكيرَه كثيرٌ من مجريات العدالة ودلالاتها، ولكنها عدالة أقرب ما تكون الى العجز منه الى تنفيذ مجريات العدالة، والسبب في ذلك ليس لعدم إمتلاكه القوة ومصادرها، فهو مدجج بها ولديه منها شيء كثير، لكن عجز النظام يعود الى عدم إيمانه بالعدالة إيمانا تاما، فضلا عن عدم قدرته على توجيه مصادر قوته، بإتجاهات تحقيق العدالة، ناهيك عن أن عناصر هذا النظام، متورطة بكثير مما يخالف العدالة!
بين أيدينا نماذج متعددة؛ لعدم قدرة النظام القائم على تحقيق العدالة، برغم إمتلاكه القوة اللازمة لتحقيقها، فكبار الفاسدين في المؤسسات الحكومية، يستطيعون الإفلات من قبضة العدالة، لأن إرادة تحقيق العدالة، ليست متوفرة لدى من أنيط بهم تحقيقها، وهكذا افلت المتسببون بجريمة سقوط الموصل بيد داعش الإرهابي، بل أن الدولة «كرمت» بعضهم بأن منحتهم قطع أراضٍ مميزة في بغداد، كما أفلت وزير التجارة السابق، وأيهم السامرائي وشلاش وزيرا الكهرباء الأسبقان، وأفلت طارق الهاشمي، وعشرات من المتسببين بمآسينا وآلامنا!
عدالتنا حاسبت صبياً سرق علب «كلينكس» من أحد المحال التجارية، ليبيعها مستخدما ثمنها لإطعام أخوته الأيتام، لكن معظم الفاسدين يبرأون فقط لأنهم أصدقاء العدالة!
عدالتنا تهيىء فرصا ممتازة؛ لإفلات عتاة الإرهابيين من يد العدالة، عبر بوابة تقديم ضمانات للمدانين، في نيل فرص لا تنتهي، لإعادة المحاكمة والطعن بالأحكام، وتاخير تنفيذها لأقل الأسباب ضرورة..وما مئات الإرهابيين الممسوكين بالجرم المشهود، والمصدّقة إعترافاتهم قضائيا، وبكشف الدلالة وشهادة الشهود، إلا نماذج صارخة على عجز العدالة!
إن الأصل في فكرة تحقيق العدالة هو إنصاف الضحايا، لا تبرئة المجرمين، وهذا لا يتعارض قط مع ما يقال؛ بأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، فالمسافة بين البراءة والإدانة هي الإتهام، ولو لم يكن المتهم موضع شبهة حقيقية، لِمَ وضع في دائرة الإتهام؟..
فاجعة «العبارة» في الموصل، إمتحان جديد يمر به نظام العدالة في العراق، مناظر الأطفال الغرقى يجب أن لا تمحى من ذاكرتنا، ومن العار أن نحوّل الكارثة الى فيدوهات يلتقطها متفرجون؛ دون أن يفعلوا شيئا للضحايا..
حكومة الموصل ومجلسها، وهيأة السياحة ووزارة الداخلية، يجب أن يغيّبوا وجوههم عنا الى الأبد، فهم شركاء مع دجلة في إبتلاع مواطنينا.
كلام قبل السلام: العدالة تقتضي توفر الإرادة والقوة بمن يطبقها، وعلى نظامنا السياسي القائم، السعي الحثيث لإمتلاكهما بإخلاص، وإلا فسيصبح نظاما خادما للظلم..!
سلام..
قاسم العجرش



