النسخة الرقميةثقافية

المنحى الإشراقي في قصيدة الأستاذ الشيخ ستار الزهيري «أنت يا مَن»

نائلة طاهر

 

إن الكتابة في ظاهرها وجوهرها ممارسة حية للفكر ،حتى وإن تضمنت كتاباتنا حالاتنا النفسية والشعورية فإن ما نكتب يندرج تحت مسمى الفكر الخالص ،و من النادر أن نجد نصا أو أثرا أدبيا لكاتب أو شاعر يشذ عن قاعدة الالتزام بفكر ما تظهر ملامحه مجتمعة او منفردة على مستوى كل كتاباته . مصطلح الحداثة الآن بات يتداخل في جل مجالات حياتنا ،وبالمجال الأدبي الآن صار هناك ما يعرف بحداثة الحداثة، وذاك هو التطور الطبيعي للكتابة الأدبية نفسها ،إذ الأدب لا يمكن أن يخضع لحالة التقوقع والانكماش ويظل على حالته الاولى تاركا قطار التغيير يمر دونه.

وفاءاً لسابق ما ذكرت جاءت قصيدة الشاعر ستار الزهيري (أنت يا من..) ومن الإهداء الى العنوان حدد الكاتب وجهة القارئ مبدئيا فقد توقع الأخير أن يقرأ نصا في حب آل البيت وهيّأ نفسه لنص غرضه المدح وذكر المآثر وربما البكاء والرقص الصوفي ،لكنه يتفاجأ ومن اول بيت أنه بصدد نص يأخذ من الصوفية معناها اليوناني فقط وهو الحكمة، الشاعر وهو باحث اسلامي أسبغ على قصيدته طابعا عقلانيا جعله قريبا جدا من الفكر العرفاني، لذلك ومنذ البدء تحصل لدينا قناعة بأن القصيدة هي قصيدة تصحيح المسار، فالتراوح ما بين (انت) و(نحن) مقصود من الشاعر يهدف معه إلى توضيح العلاقة ما بين المخاطَب ب(أنت) وبين ال(نحن) التي أرادها جمعا كإشارة منه الى الإنسان عامة، قطب يمثل البعد الروحي وقطب يمثل الانسان. وجدير بالذكر أن الأنت حددها الشاعر سلفا بسيدنا الحسين (ع)، وبذلك يكون المخاطَب واضحا، والمتكلم جمعا قابلا للتأويل.

أَيُّها الواهِبُ لِلْفكرِ اخْضِرارا

جُرْحُنا القُدْسيُّ مَمْلوءُ آنتظارا

سيدنا الحسين هو السبط الواهب وقد استخدم الواهب لا الوهاب إذ ‘إن اللَّه عزَّ و جلََّّ هو (الوهَّاب)، ولا يشبهه أحدٌ من مخلوقاته في هباته ، اما الواهب فهو من يعطي هدية واحدة ، وضروري التمييز بينهما. هو ما وهبه سيدنا الحسين للفكر من اخضرار متواصل اي من فكر متجدد حي بقلوب مريديه وأتباعه ،،وما يهم باحثاً استشراقياً كستار الزهيري هو الفكرُ إذ يكفيه أن يرث الفكر النير ليغزو الكون كله قوته في ذاك روحه، تلك الروح المعبر عنها ب(نحن) والتي صارت جمعا، فاضت بالسنا الحسيني الى القدر الذي صارت معه ثائرة على الاصطبار و قادرة على تحقيق الفتح الأعظم إذا هب شذا الحسين حذوها.

إِيهِ يا سِبْطَ المَنايا لَوْ أَتَتْ

لَنَهَضْنا وَخَلَعنا الأِصطبارا

الشاعر الاسلامي ستار الزهيري لا يمكن أن يكون الكائن الانساني في مفهومه عقلا خالصا ،فالدين عنده مكوّن اساس لمفهوم الخلاص، وكل الممارسات والقناعات الروحية الهدف منها تحقيق الخلاص والنجاة ،الدين نفسه شريعة تقوم على الثواب شرط الالتزام، وذاك العقل القادر على ايجاد حلول منطقية رياضية تسمى قوانين يصطدم بأن للذات الانسانية روحا لا تستجيب كل الحين إلى المنطق والنور الذي يدركه العقل والفكر ،ليس نفسه الضياء الذي تدركه الروح ،التوازن مطلوب بل وأحيانا هو الهدف إلى السبيل. وقد حدد الشاعر من منطلق عرفانيته وباستخدام مكثف لمصطلحات مرتبطة بالرؤية والحقيقة (أجفان الضياء، لونها الفضي، النهار، الأنجم الأضواء، منارة، لألأت)، النور كله عند الشيخ الشاعر ستار الزهيري مأتاه الإيمان، الإيمان الذي لا يغيره تعاقب التواريخ، والارض نفسها جرحنا القُدسي لكنها تظل كوننا الذي يسقيه ندى دمعنا، تظل محط أنظارنا ومحور فعلنا الإيجابي. والفعل الايجابي الناجع هو ما يكون مصدره العقل والروح.

من هذا المنطلق بدت واضحة قدرة الشاعر على التحديث الى اقصاه.. لانه تمكن من توسعة آفاق النص بحيث يكون قادرا على استيعاب الفكر وليس الوجدان فقط.. وهذه من اهم ملامح الحداثة، ولا سيما وقد ضخ في داخله رؤاه ومعتقداته بلغة حداثية معاصرة وبغاية المرونة والديناميكية التي زادتها خبرة محشودة بالاغراض البلاغية والانزياحات غير المتكلفة بأسلوب يغلب عليه الزحزحة وكسر السائد لإيصال الأفكار كما المشاعر عبر مسارات سلسة، تستجيب لما تقتضيه محاولات التحديث في القصيدة العمودية، ولست أعني الحداثة فقط وانما كما أسلفت قبل، حداثة الحداثة فمحاولات التجديد بالشعر الموزون كانت موجهة أكثر الى ظاهر النص من تفعيلة وشكل. اما حداثة الحداثة فهي فعل موجه اساسا الى داخل النص ليبلغ المدى الأكبر من حيث استمرار التحديث، والاشتغال على تقريب الزخرف والبلاغة والقواعد اللغوية والفنية من فهم القارئ ليسهل إقناعه بعدها بالغـــــرض الشعـــري.

قد يكون ستار الزهيري كشاعر لم يقصد دخول هذه المتاهة المكبلة بالمصطلحات وقد يكون صاغ نصه على أساس وجداني عقلي عفوي نظرا لمرجعيته الفكرية والروحية، لكن العقل يعكس فعله الواعي وجوبا على الوجدان وعقل الزهيري مهتم بالبحث ومطلع على كل التغيرات المحيطة والعالم المفكر مثله مثل نهر الفرات لا ينقطع سيلانه ولا تركد مياهه لفترة.

اذن السؤال الذي لم يطرح، هو هل يستجيب مصطلح حداثة الحداثة للقصيدة العمودية كما كان ضرورة في قصيدة النثر والرواية والقصة القصيرة؟

اذا وضعنا قصيدة ستار الزهيري كحجة لمدى الاستجابة والتأثر فإن الجواب كنا قد قلناه وهو نعم، فالذي يجعل من شخصية السيد الحسين واجهة لتمرير أفكار تتواءم و العصر الراهن والذي يطوّع اللغة لخدمة الوجدان والعقل، معا هو قادر ومن يسأل في صيغة التأكيد والإجابة كما في البيت التالي هو قادر.

كيف تَبْلى أُمَّةٌ لَوْ حُرِّضَتْ

مِنْكَ سِراً هَتَفَتْ فيكَ جهارا

القدرة على التحديث هي نفسها القدرة على اقناع عقل شاب في الوقت الحاضر بصحة المعادلة بنص أدبي ويبقى على نفس القدرة بعد سنوات اخرى، لان الاسلوب مختلف، أسلوب يحافظ كما قلنا على ليونته كل الوقت من حيث اتساع الفكرة ومن حيث مرونة اللغة الحاملة لها.

القصيدة التي بدأت بالانتظار وهو الفعل الراكد تنتهي بهبّـةٍ جماعية للضمير نحن، بمعنى أن الأمة التي تجتمع على محرضٍ وجداني قوي (الدين أو الولاءات الروحية عامة) أمة قوية يعلو صوتها بالحق وتعمل سواعدها على إرسائه.

وستار الزهيري كشاعر وباحث لم يكن أول من ابتكر هذه المعادلة لكنه قدمها بأسلوب مقنع لجيل يدين فعلا بحب آل محمد ربما من منطلق العادة والولاء المذهبي، فجعل المتلقي من هؤلاء يقرأ بنشوة وتفكير وتأمل.

وهنا تجتمع عوامل نجاح القصيدة العمودية الحديثة.

إهداء لمولاي المفدى الإمام الحسين (ع)

أنت يا من

أَيُّها الواهِبُ لِلْفكرِ اخْضِرارا

جُرْحُنا القُدْسيُّ مَمْلوءُ آنتظارا

نَحنُ مَنْ أَوَّلَ أَحلامَ الرَّدى

أَنَّها نَحنُ إِذا شَدَّ الإِزارا

نَحْنُ مَنْ يَمْنَحُ أَجْفانَ الضِّيا

لَوْنَها الفضِّي لَوْ فَزَّتْ نَهارا

نَحْنُ مَنُ يَحرسُ حَرفاً أَبْلَجاً

أنْ يُريد الفَتْحَ عِزاً وَوَقارا

نَحْنُ في بابِ الحَياءِ عُروَةً

وَعُرى الأَخلاقِ تأْتينا اْبتِدارا

وَعَرفْنا المَوْتَ سِرّاً أَعظَماً

وَشَرِبْنا مَنْهُ أَنْخاباً عَذارى

قد شَمَمْنا مِن ثَراكُمْ نَفْحَةً

فَغَدَوْنا في هَوى الطَّفِ سُكارى

إِيهِ يا سِبْطَ المَنايا لَوْ أَتَتْ

لَنَهَضْنا وَخَلَعنا الأإصطبارا

أَنْتَ في البيدرِ قَمْحٌ أَكْرَمٌ

وَعلى الأَنْجُمِ أَضْواءٌ سَهارى

وعلى التاريخِ أَمْجادٌ مَشَتْ

تَلْعَنُ السُّراقَ أَو تَرثي الغَيارى

وَعلى خَدِّ الفُراتِ دَمْعَةٌ

تَنْدُبُ العَطْشى وَتَسْقيهمْ بِحارا

أَنْتَ يا مَنْ أَنْتَ في أَوْصالِهِ

جَمَعَ الدِّينَ وِأَعطاهُ المَدارا

أَنْتَ يا من لألأت أَنْوارُه

فِي نبوءات المَوَازِين شِعارا

وَثَرَاهُ وَهَبَ الوَرد شَذَى

وَتَجلى في رُبى الشَّمْسِ منارا

رُوحكَ الهَمْسُ إِذَا مَرَّ النَّدَى

أَوْ تَصك شَفَة الهيجا شفارا

كيف تَبْلى أُمَّةٌ لَوْ حُرِّضَتْ

مِنْكَ سِراً هَتَفَتْ فيكَ جهارا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى