النسخة الرقميةثقافية

الخالة دودو

حسن السلمان

في غرفة طينية تحيطها ثلاثة أكواخ، وزريبة صغيرة تطلّ على ضفة الشط.. في فجرٍ نيسانيٍ عليل الهواء، ولدت أسماء صبياً، أرادت أن تسميه (غائب) لأن والده مفقود في الحرب، إلا أن خالته الصغيرة دعاء، التي تسمى دودو، تصغيراً وتحبباً، أحبت أن يسمى (فجر) لولادته فجراً، فنزلت أختها عند رغبتها ووافقت على التسمية.منذ لحظات ولادته وحتى بلوغه عاماً، والخالة دودو لم تفارق (فجر). كانت تسهر معه الليالي الطويلة. تبدل حضائنه وتغسّله. تعمل له رضاعات الحليب. تناغيه وتداعبه. وتسرح له شعره المنسرح الفاحم السواد، ثم راحت تسرقه من حضن أمه وهي غافية وتأتي به إلى كوخها.. عبثاً حاولت أمه منع الخالة دودو من سرقة الطفل وإنامته في كوخها..
عندما بلغ عامه السادس، راحت الخالة دودو تهيم معه منذ الصباح الباكر في غابة النخيل التي تمتد من ضفة الشط حتى البريّة الشاسعة.. تبحث بين الأعشاب، والنباتات، عن أعشاش القُبّرات وتصطادها له.. تطارد معه الأرانب من حفرة إلى حفرة.. تصنع له قوارب من ورق، وتطوّفها في ماء الشط.. تصنع له دمى من الطين على شكل طيور، وفيلة، ومخلوقات غريبة الشكل.. تتسلق أشجار النخيل بخفةٍ ومهارة وترمي له ثمرات الرطب.. تخوض به مياه السواقي والجداول وهو على ظهرها.. تحوي له الفجل، والرشاد البري، والخبيز.. تجمع له نفّاش البر، وتطعمه ثمرات البمبر..
تصطاد ثلاث دعاسيق وتضعها على كعب قدمها الصغيرة.. يتأمل (فجر) الحشرات الملونة بالأسود والبرتقالي، وهي تتسلق ساق خالته التي تروح ترفع ثوبها كلما وصلت الدعاسيق إلى حافته، وعندما تصل إلى فخذها المليء بالعروق الخضراء، تمسكها، وتضعها من جديد على كعب قدمها، لتتسلقها الدعاسيق مرة أخرى، وفجر لايرى من الحياة، سوى ثلاث دعاسيق تتسلق ساق خالته الصقيل كالمرآة..عند ساقية تنعكس عليها أشعة شمس الصيف الساطعة، تجلس الخالة دودو.. تخلع ثيابها، وتناول (فجر) طاسة من النحاس، وتطلب منه أن يصب الماء على رأسها.. بعينين تعلوهما الدهشة، ينظر فجر إلى أطراف شعر خالته التي تقطر ماء.. ينظر إلى خيوط الماء التي تجتاز مضيق نهديها الصغيرين اللذين يشبهان أجاصتين، وتتجمع في سرتها.. ينظر إلى بطنها التي تشبه تكويرته شكل بيضة بط.. تقف الخالة دودو على طولها فيراها (فجر) وهو جالس، والطاسة النحاسية بيده، كما لو أنها أصبع حلوى من سكر وحليب، يذوب تحت الشمس الساطعة.. تنتبه الخالة دودو إلى عيني (فجر) المندهشتين، وفمه المفتوح كفم أبله، وتلطمه على خده لطمة خفيفة.. يجفل (فجر) وينتبه لنفسه.. يطأطئ برأسه، فتجذبه الخالة دودو من كتفه، وترمي به إلى ماء الساقيه، ومن ثم ترمي بنفسها وراءه وتقبله تحت الماء..تتوجع الخالة دودو.. تأخذ بيده وتضعها على ضلعها، أسفل ثديها الأيسرتماماً.. ينكمش قلب (فجر) وتنفصل يده عن ذراعه، ويرتجف من قمة رأسه حتى قدميه..تضمه إليها فيشم رائحة كرائحة طًلع النخيل.. تنادي عليه، حبيب روحي، ياحبيب روحي تعالَ إليّ، فيمضي إليها كالسائر في منامه ويتكوم عند قدميها..تطلب منه أن يغمض عينيه.. يغمضهما، ويشعر بشفتين تمتصان روحه، التي تنتقل وتسكن جسد الخالة وتمتزج بروحها، تاركة جسده كالهشيم المنثور…
ذات صباح، استيقظ (فجر)على حركة غير عادية في بيتهم. سمع أصواتاً كثيرة، ولغطاً، وضحكات.. رأى نساءاً، عرف بعضهن من الجيران، وبعضهنَّ يشاهدهنَّ لأول مرة.. شاهد خالته ترتدي ثوباً وردياً جديداً.. شاهد راحتي يديها وأطراف أصابعها مخضّبة بالحنّاء، وأظفار قدميها مصبوغة باللون القرمزي الغامق.. شاهد أمه تكحل عينيها، وتمرر أصبع الحُمرة على شفتيها، وتسرح شعرها الأسود المجعد بمشط خشبي إلى الجانبين، وهي تدندن منشرحة البال..عصراً، شاهد ست زوارق بخارية مزينة بالأعلام والأشرطة الملونة ترسو أمام بيتهم.. ثلاثة زوراق تحمل أطفالاً، ونساءاً، بملابس جديدة، يضربن بالدفوف، ويطلقن الهلاهل، ويرددن الأهازيج.. وثلاثة زوارق تحمل رجالاً، يرتدون الدشاديش البيض، ويعتمرون العُقل والكوفيات، أحدهم صوّب مسدساً نحو السماء، وأطلق عدة رصاصات.. شاهد خالته تجلس إلى جوار شاب وسيم، بشارب خفيف، مقصوص من الأسفل.. شاهدهُ، يضع في بنصر يدها حلقة من الذهب، وشاهدها، وهو يعض على لسانه، تضع في بنصر يده اليمنى حلقة من الفضّة وسط عاصفة من الهلاهل والأهازيج.. خارت قواه عندما شاهده يقبلها من جبينها، فتبتسم تلك الابتسامة التي كانت تنقله من عالم إلى عالم آخر..لم يجد مكاناً يختبئ فيه يوم عادت الزوارق ثانية لتأخذ خالته إلى الضفة الأخرى من النهر غير تنورهم الطيني، الذي ظل مختبئاً فيه حتى توارى آخر زورق عن الأنظار…كانت ليلة موحشة عصيبة على (فجر) ليلة خلا البيت من الخالة دودو.. ظل ساهراً حتى مطلع الفجر، ينظر إلى الضفة الأخرى من الشط، التي تنتشر عليها الكازينوهات بنشرات مصابيحها الملونة، ومراسيها الصغيرة التي تتأرجح عليها الزوارق البخارية، والقوارب الشراعية، والأبلام .. في تلك الليلة الطويلة، لم تسقط من عيني فجر دمعة واحدة.. تخثرت العبرة في صدره، واحتبست صرخة عظيمة في أعماقه المظلمة..يدخل كوخها ويضع على وجهه أحد مناديلها الذي تركته، فيشعر بأن شيئاً من روحه قد عاد إليه.. يعثر على أحد أمشاطها الخشبية، فيقبض عليه، كما لو أنه عثر على كنز ثمين..
أصبحت غابة النخيل ملاذه الوحيد.. حالما يفتح عينيه، ينطلق هائماً على وجهه بين مزارع الخس، والسواقي، والغدران.. يلتقط الدعاسيق، ويتذكر كيف كانت تتسلق ساق خالته في ذلك العصر الخريفي البعيد.. تتسلل إلى أنفه رائحة طلع النخيل، فيتذكر رائحتها الزكية.. تصدح قبرة في الجو، فيتذكر رنين ضحكتها الحلوة.. يجلس إلى جوار الساقية، فتلمع في خاطره صورة أصبع من السكر والحليب يذوب تحت شمس الصيف.. يرى الزوارق الشراعية وهي تمخر ماء الشط، فيتذكر تلك الزوارق الورقية التي كانت تصنعها له، وتدفع بها إلى عرض الماء.. يختبئ وراء جذع نخلة، ويعض راحة يده حتى يدميها، ودموعه تتهامل على خديه…
بعد عام، جاءت الخالة دودو في زيارة.. حالما وضعت قدمها على اليابسة، حتى طارت عيناها بحثاً عن (فجر) متجاوزة أختها التي هبت فاتحة ذراعيها لاحتضانها، وراحت تبحث عنه كالمجنونة.. سألت أختها، أين حبيبي، فأجابتها بدموع جارية، وأشارت إلى غابة النخيل..
على طرف جذع نخلة مقطوع، شاهدت الخالة دودو ولداً نحيلاً، بشعر أشعث طويل، وقدمين متربتين، بيده عود ينكت به التراب.. ابتسمت، وتقدمت منه ببطء، وجلست على الطرف الآخر لجذع النخلة.. التفتت إليه ولما لم يبد عليه أي شيء، راحت تتقرب منه شيئا فشيئاً، وحالما لامس كتفها كتفه، رمى العود وانطلق هارباً بين جذوع النخيل…
ثلاثة أيام بلياليها، بحثوا عن (فجر) الذي غاب من ساعة ولى هارباً من جذع النخلة، ولم يجدوا له أثراً..
والشمس على وشك المغيب، رسا زورق صياد أمام بيت فجر… قفزت أسماء إلى الزورق ورمتْ بنفسها على الجثة التي أكلت عينيها الأسماك.. وقفت الخالة دودو تنظر إلى أختها تارة، وأخرى إلى الصياد الذي أخفى عينيه بكم دشداشته البيضاء.. راحت تنظر في جميع الاتجاهات كما لو أنها تبحث عن طريق للهروب.. ابتعدتْ عنهم ونزلت في ماء الشط.. راحت تتقدم شيئاً فشيئا في الماء، ولما وصل الماء إلى حد خاصرتها توقفت، وعيناها تتابعان سربَ نوارسٍ، يتبع شراعاً مضرجاً ببقايا شمس الأصيل الدامية…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى