عبرة
زعموا أنه ومنذ زمن طويل كانت هناك مدينة يحكمها مَلِك، وكان أهل هذه المدينة يختارون الملك بحيث يحكم فيهم لمدة سنة واحدة فقط، وبعد ذلك يُرْسَل الملك إلى جزيرة بعيدة حيث يكمل فيها بقية عمره، ويختار الناس مَلِكا آخر غيره وهكذا..وكان الملك الذي تنتهي مدة حكمه يلبسونه أفخر الثياب، ويودّعونه ثم يضعونه في سفينة، حيث تنقله إلى تلك الجزيرة البعيدة وكانت تلك اللحظة هي من أكثر لحظات الحزن والألم بالنسبة لكل مَلِك و وقع الاختيار في إحدى المرات على شاب من شباب المدينة، وكان أول شيء فعله هذا الشاب أن أمر وزراءه بأن يحملوه إلى هذه الجزيرة التي يرسلون إليها جميع الملوك السابقين..ورأى الشاب الجزيرة وقد غطتها الغابات الكثيفة، وسمع أصوات الحيوانات المفترسة ثم وجد جثث الملوك السابقين عليها، وقد أتت عليها الحيوانات المتوحشة..فعاد الملك الشاب إلى مملكته وأرسل على الفور عدداً كبيراً من العمال، وأمرهم بإزالة الأشجار الكثيفة، وقتل الحيوانات المفترسة..وكان يزور الجزيرة كل شهر ويتابع العمل بنفسه وبعد مدة تم اصطياد جميع الحيوانات، وأزيلت أغلب الأشجار الكثيفة..وثم أمر الملك العمال بزرع الحدائق في جميع أنحاء الجزيرة، وقام بتربية بعض الحيوانات المفيدة مثل الدجاج والبط والماعز والبقر..إلخ..واكتملت السنة أخيراً، وجاء دور الملك ليتنقل إلى الجزيرة..فألبسه الناس الثياب الفاخرة ووضعوه على السفينة قائلين له وداعاً أيها المَلِك ولكن المَلِكْ على غير عادة الملوك السابقين كان يضحك ويبتسم..سأله الناس عن سر سعادته بعكس جميع الملوك السابقين ؟ فقال: بينما كان جميع الملوك منشغلين بمتعة أنفسهم مدة الحكم كنت أنا مشغولاً بالتفكير في المستقبل، وخططت لذلك، وأصلحت الجزيرة وعمرتها؛ حتى أصبحت جنة صغيرة، ويمكن أن أعيش فيها بقية حياتي في سلام وسعادة..فهذا مثل الدنيا والآخرة، فحياتك قصيرة مهما طالت بك الرحلة، فيجب أن تفكر كيف تعمر الآخرة بعمل صالح تنتفع به بعد موتك حتى تجد فيها ما يسرك.
الشيخ علي معروف حجازي



