قراءة تصحيحية في كتاب «علم البديع» للدكتور عبدالعزيز عتيق

مروان مقبلي – اليمن
نشأت العلوم البلاغية: المعاني، البديع، البيان لخدمة القرآن الكريم أولاً، وأميط اللثام بوضع أسسها على يد عبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) بعدّ القرآن العظيم نصا جماليا مقدسا حافلا بالبيان. والمجاز كقوله تعالى (والصبح إذا تنفس)،
و(لما سكت عن موسى الغضب)، و(اخفض جناحك للمؤمنين)، و(اصبر على حكم ربك فإنك بأعيننا).. الخ، وقد صنف عبد القاهر كتبا عدة في هذا المضمار كـ(أسرار البلاغة) و(علم البيان) و(دلائل الاعجاز)، وتبعه إبن الأثير في (المثل السائر) وابو هلال العسكري في (أدب الصناعتين) وقدامة بن جعفر في (نقد الشعر) وحازم القرطاجني في (منهاج البلغاء وسراج الأدباء وأضرابهم).
وعلى طول المدة الممتدة من منهى عصر المماليك إلى أواسط القرن الفارط شهدت العلوم ارتكاساً واضمحلالاً على طول الحقبة العثمانية، منها علوم العربية والبلاغة، ولم يشهد في هذه المدة الا تصانيف محدودة لحاجي خليفة ومصطفى طاش كبري زادة والتهانوي الهندي..حتى جاء القرن العشرون فتفتقت شهية هذا الصنف من العلوم للقليل من الشارحين كعبد الرضا علي وعبد العزيز عتيق « موضوع قراءتنا» وغيرهم..ومع غنى الساحة الأدبية بالتصنيف المبتكر والجديد ،لكن لا توجد فتوحات نقدية موازية تُقَعِد وتصطلح تتميماً للنظرية النقدية العربية التي دعا إليها د/ عبدالعزيز حمودة في كتابه المرايا المقعرة ..في ظل تعويم الوسط النقدي والآكاديمي خاصة في زحمة المفاهيم المستوردة وضجيجها .من البنيوية للتفكيكية للحداثة ومابعدها الخ إقتداءاً بمدرستي باريس وفرانكفورت النقديتين….
المؤلف..
يعدّ د..عبدالعزيز عتيق واحداً ممن ساهموا في التصنيف والتأليف شارحاً وجامعاً للعديد من الأسس والقواعد المنهجية في علوم العربية وآدابها وله مصنفات في المعاني والألفاظ والبيان والعروض والقوافي ..وهو جهد يفيد كل من لم يسبق له الإطلاع على كتب الأقدمين والإفادة منها وإستجلاء عافي أثرها..وهو جهد محمود….
كتابه.
في كتابه علم البديع الصادر عن دار الآفاق العربية بالقاهرة ب (190)صفحة وفهرس عام 2004م شمل الكتاب مقدمة ونبذة عن البديغ وفنونه ،ثم ذكر أقسامه كالمطابقة والمقابلة والإغراق والغلو والإيغال والتتميم و» التورية» موضوعنا والجمع واللف والنشر واسلوب الحكيم والتجريد والجناس ولزوم ما لا يلزم وقسمها وضرب الأمثلة فيها..الخ
إلا إنه في باب التورية وقع في لبسين ونعزو ذلك لغياب المعرفة الموسوعية. سنوضحهما لاحقًا..
مدخل للتورية..
التورية أحد الفنون المعنوية للبديع وهي الستر والمواراة وهي أقرب المفاهيم للدلالة بمفهومها الحديث ..إشارات وإمارات كالقرائن القضائية المفضية في الإثبات الشرعي ..وقد أورد المؤلف ما عرّف به القدامى بالإيهام والتوجيه والتخيير وهي: أن اللفظ المستخدم له معنى قريب وآخر بعيد وفقاً لتقي الدين الحموي في خزانة الأدب.
وقد خصّها ابن الصلاح الصفدي بكتاب – الختام عن التورية والأستخدام…
وأقسامها: المجردة» موضوعنا» 2- المبينة 3- المرشحة 4- المهيأة» موضوعنا»
وقد ذكر بأن التورية المجردة هي التي يجب أن يغب عنها لازمها المورى به المعنى القريب) وضرب. لها مثلا شعرياً للقاضي عياض السبتي اليحصبي.:-
كأن نيسان أهدى من ملابسه
لشهر كانون أنواعا من الحلل
أو الغزالة من طول المدى خرفت
فما تفرق بين الجدي والحمل..
وشرحهما بالآتي:- ( فالتورية هنا مجردة والشاهد في الغزالة والجدي والحمل لم يذكر قبل الغزالة الوحشية من طول العنق وسرعة الإلتفات والتفرد وسواد العين من أوصاف المورى عنه،كالأوصاف المختصة بالغزالة الشمسية من الإشراق والسمو والطلوع والغروب.)والكلام له ..وعطف على التورية المهيأة..وهي:- التي لا تتهيأ إلا باللفظ الذي تهيأ قبلها أو باللفظ الذي بعدها..وضرب مثلا شعرياً لعمر بن أبي ربيعة هو:-
إيها المنكح الثريا سهيلا
عمرك الله كيف يلتقيان.?
هي شامية إذا ما إستقلت
وسهيل إذا ما إستقل يماني..ص(101)
وقد شرحه بالآتي وموضع الشاهد هنا هو الثريا وسهيل ..فإن الثريا يحتمل أن يكون الشاعر أراد بها بنت عبدالله بن الحارث بن إمية الأصغر وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه ويحتمل أن يكون سهيل بن عبدالرحمن بن عوف وقيل كان رجلًا مشهورا من اليمن وهذا المعنى البعيد المورى،ولولا ذكر التي هي نجم لم ينتبه السامغ لسهيل وكلاهما صالح للتورية..)
الخطآن .- اللبسان..موضع التصحيح:-
الأول;- أخطأ المؤلف في بيتي القاضي عياض في نسب التورية وفي الشرح والذي اساسه فهم اسس علم الفلك.
ونشرحها ونسببها بالآتي:- إن نيسان شهر.وكانون شهر الأول في الربيع 21/ آذار مارس بداية برج الحمل والثاني في الشتاء 22/ كانون اول ..بداية برج الجدي فهما مورى بهما وهما المعنى القريب يبدأ الربيع في 21/ اذار كما اسلفنا كاول إيام السنة الشمسية. اذن الحمل والجدي مورى عنهما وهما المعنيان البعيدان ( برج الحمل وبرج الجدي)فالملابس هنا هي زهور نيسان والاشجار والانهار « المكنى عنها بالحلل» فنيسان دال مورى به ومعنى قريب ومدلوله الحمل( البرج) المورى عنه ومعناه البعيد .
وكانون دال مورى به.ومعنى قريب..ومدلوله الجدي ( البرج) المورى عنه ومعناه البعيد….يبدأ الجدي كما أسلفنا في 22/ كانون أول ديسمبر كأول أبراج الشتاء ….والغزالة.
مورى به معنى قريب « وغزالة الشمس» هي المدلول الغائب المورى عنه والمعنى البعيد وهي تختفي في الشتاء بفعل الغيم فدل الظهور المفاجئ لغزالة شمس الشاعر – النادر في هذا الوقت من القر على الخرف وهذه الصور المتداخلة المعبرة تحمل ابعادا دلالية اوسع كنى عنها الشاعر بالطبيعة وجمالها ..جعلت تفسير الشارح يبدو كليلا ..فيذهب الكثير من جمال الشعر وفنه. !
ومع ذلك فإن نسب التورية للمجردة هنا خطأ. فهي تورية مهيأة فوق الحد. !
الخطأ الثاني:-
في شرح بيتي عمر بن أبي ربيعة..
فإننا نشرحهما بالآتي:-
الثريا وسهيل نجمان ، الثريا من برج الثور تنزل الشمس فيها من 7/ آيار مايو إلى 19منه عند غروبها مدة كل نوء 13 يوم عدا الذراع 14 وعددها 28 نوءاً» نجماً» وسهيل في آواخر حزيران وأوائل تموز 7 ويسمى يماني لأنه يرى من اليمن غالباً ..فهو يقع جنوب خط الأستواء الشمسي وهما المورى بهما والواضح أنه وقعت زيجة بين سهيل – يماني- وأمرأة إسمها ثريا ربما التي ذهب إليها المصنف .! او سواها …وهما المورى عنهما وأما سهيل بن عبدالرحمن بن عوف الاستدلال به محض باطل..فهي أموية مكية كما يؤكد وسهيل كذلك فإن طرفي العلاقة من قريش ومكة فهما في الملتقى و الاجتماع وما أراده الشاعر هو سهيل يماني..ولذلك لا يلتقي سهيل بالثريا..فلكياً .
فعند نزول الشمس بها وهي متوسطة « السمت» لا يكون سهيل بالأقق الجنوبي مرئياً لساكنة المناطق الواقعة شمال مدار السرطان خط عرض 25/30وهو يقطع وسط جزيرة العرب ولهذا كانت القراءة لازمة
لوازم التوضيح بالاضافة لإتحاف القارئ وتصويب ما سها عنه…مقدراً جهد كل من خدم اللغة العربية وآدابها وفنونها…. !..



