النسخة الرقمية

مجالات الدين لقيادة الإنسان إلى الكمال

لا يحاول الدّين إِرجاع البشر إلى الجهل والتخلف، بل هو ثورة فكرية تقود الإِنسان إلى الكمال والترقّي في جميع المجالات. وأبرز هذه المجالات ما يلي هي تقويم الأَفكار والعقائد وتهذيبها عن الأَوهام والخرافات..وتنمية الأصول الأخلاقية..وتحسين العلاقات الإِجتماعية..وإلغاء الفوارق العنصرَّية والقوميَّة ويصل الإِنسان إلى هذه المآرب الأَربع في ظل الإِيمان بالله الذي لا ينفك عن الإِحساس بالمْسؤُوليَّة، وإليك توضيحها..أمّا في المجال الأَول: أعني إصلاح الأَفكار والعقيدة فنقول: لا يتمكن الإِنسان المفكر من العيش بلا عقيدة، حتى أولئك الذين يضفون على منهجهم طابع الإِلحاد، ويرفعون عقيدتهم بشعار اللاَّدينية، لا يتمكنون من العيش بلا عقيدة في تفسير الكون والحياة. وإليك نظرية الدّين لواقع الكون والحياة..وإِنَّ الدين يفسر واقع الكون وجميع الأَنظمة المادية بأَنها إِبداع موجود عالٍ قام بخلق المادة وتصويرها وتحديدها بقوانين وحدود، وقد أخضعه لنظام دقيق، فالجاعل غير المجعول، والمعطي غير الآخذ..فإِنَّ المادة الأُولى قديمة بالذات وهي التي أَعطت لنفسها نظماً، وأَنَّه لا غاية لها، ولا للإِنسان القاطن فيها وعلى أساس ما تقدم قلنا إنَّ للدّين دوراً في تصحيح الأفكار والعقائد..وأمَّا في المجال الثاني: وهو ما يتعلق بتنمية الدَّين للأصول السامية للأَخلاق فنقول: إِنَّ العقائد الدينية تعد رصيداً للأصول الأَخلاقية إِذ التقيد بالقيم ورعايتها لا ينفك عن مصاعب وآلام يصعب على الإِنسان تحملها إلاّ بعامل روحي يسهّلها ويزيل صعوبتها له، وهذا كالتضحية في سبيل الحق والعدل ورعاية الأَمانة ومساعدة المستضعفين. فهذه بعض الأصول الأَخلاقية التي لا تنكر صحّتها، غير أَنَّ تجسيدها في المجتمع يستتبع آلاماً وصعوبات، كما يستتبع الحرمان من بعض اللذائذ، فما هو ضمان تحقق هذه الأصول..وأَما في المجال الثالث: وهو ما يتعلق بتوطيده العلاقات الإِجتماعية، فنذكر فيه ما ذكرنا في دعمه الأَخلاق السامية، فإِنَّ العقيدة الدّينية تساند الأصول الاجتماعية لأنها تصبح عند الإِنسان المتديّن تكاليف لازمة، ويكون الإِنسان بنفسه مقوداً إلى العمل والإِجراء..غير أنَّ تلك الأصول بين غير المتديّنين لا تراعى إِلاّ بالقوى المادَّية القاهرة. وعندئذ لا تتمتع الأصول الإِجتماعية بأي ضمان تنفيذي وهذا مشهود لمن لاحظ حياة الأمم المادّية غير الملتزمة بمبدأ أو معاد..وأما المجال الرابع: أعني إلغاءه الفوارق العنصرية والقومية المفروضة على عاتق المستضعفين بالقوة والسلطة والإِغراء والجهل وتشويه الحقائق.زفنقول: إِنّ الدّين يعدّ البشر كلهم مخلوقين لمبدأ واحد، فالكل بالنسبة إليه حسب الذات والجوهر كأسنان المشط، ولا يرى أي معنى للتمييز والتفريق وترفيع بعض وتخفيض بعض آخر، كما لا يرى معنى لوجود أناس اتخمهم الشبع وآخرين أهلكهم الجوع والحرمان..فهذه هي المجالات الأربعة التي للدين فيها دور وتأثير واضح، أَفيصح بعد الوقوف على هذه التأثيرات المعجبة أنْ نهمل البحث عنه، ونجعله في زاوية النسيان؟غير أن هنا نكتة نلفت نظر القارئ إليها: وهي أنَّه ليست كل عقيدة تتسم باسم الدين قادرة على خلق هذه الآثار وإبداعها، وإنما تقدر عليها كل عقيدة دينية تقوم على أساس العقل، وتكون واصلة إلينا عن طريق الأنبياء الصادقين، ففي مثل تلك العقيدة نجد الحركة والحياة وفي غير هذه الصورة يصبح الدين عقائد خرافية تتجلى بصورة الرهبانية والميول السلبية إلى غير ذلك من الآثار السيئة التي نلمسها في العقائد الدينية التي لا تمت إلى الوحي ورجال الدين الحقيقيين بصلة..فالمفكر الغربي إذ يتهم الدّين بأَنَّه عامل التخلف والإنحطاط، ومضاد للتقدم والرقي، فهو يهدف إلى أَمثال هذه العقائد الدينية وهناك نكتة أخرى وهي: إِنَّ الدين الحقيقي يلغي الفوارق السلبية التي لا تمت إلى أَساس منطقي بصلة، وأَما المميزات الإِيجابية التي لا تنفكّ عن أَفراد البشر فهي غير ملغاة أَبداً، فكما أنَّ أَصابع اليد الواحدة تختلف كل واحدة منها عن الأخرى، كذلك أَفراد البشر يتفاوتون من حيث العقل والفكر والحركة والنشاط..فالفوارق التي تنشأ من نفس طبيعة الإنسان غير قابلة للحذف والتغيير، وما يرفضه الدين ويحذفه عن مجال الحياة هو الإِمتيازات النابعة من القوة والسلطة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى