رواية “زهور الدّمن” شاشة سينمائية ترصد تداعيات الحروب على المجتمع

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي..
“زهور الدِّمن” عمل أدبي روائي للكاتب والروائي والسيناريست العراقي ضاري الغضبان، وقد أُقيم حفل توقيع لها وقُرئت حولها دراسات نقدية في ملتقى ميسان الثقافي بشهر حزيران الماضي ونوقشت الرواية في جلسة ثقافية شهدت تقديم سبع دراسات نقدية من أدباء ونقاد.
ويرى الناقد حيدر الحجاج، ان هذه الرواية فلسفة تستنطق أبجديات الجمال وتأسيس لبلاغة الروح التي تتعالى.
وقال الحجاج في قراءة نقدية خصَّ بها “المراقب العراقي”: “لعل من أهم العتبات التي طرأت على الرواية العراقية هي الاستنباط الدقيق في مشروع الكتابة والغوص في افرازاتها اليومية في تدجين علامات الحروب كظاهرة دالة يستطرد بها الكتاب في تدوين الأحداث التي مضت عليها عقود من الزمن، تلك الماكنة التي تهرس كل جماليات المكان وتتبع مضامين الحرب وتداعياتها التي تركت بظلالها على السردية العراقية بشكل عام”.
وأضاف: “حين تشرع في قراءة رواية زهور الدمن والصادرة من دار السرد للروائي ضاري الغضبان، يتملكك شعور بأنك لست أمام صفحات ورقية، إنما أمام شاشة سينمائية تتوالى فصولها كحلقات من حالات الخروج عن المألوف سردياً. الغضبان هنا لا يريدك مجرد متلقٍ سلبي يبحث عن المتعة، بل يورطك لتكون جزءاً من الحدث؛ فالفصل الواحد قصة مكتملة الأركان، تشدك بقوة لملاحقة ما بعدها بشغف يشبه معانقة أحبة بَعُد عنهم اللقاء”.
وتابع: إنّ “الفهم في هذه الرواية يأبى أن يظل مجرد فكرة مجردة، وربما يتحول إلى مشهد درامي يجسده ممثل بارع، يصور لنا الحدث عبر حركات وكلام مسموع ومفهوم، وكأنه يحقق مقولة هيغل بأن “الفن هو المظهر الحسّي للفكرة؛ فالحقيقة لا تكتمل إلا عندما تخرج من تجريدها لتتجسد في صورة مرئية تلامس الوجدان، بهذا الأسلوب، يجعل الغضبان من السرد حدثاً عاقلاً؛ يشاركنا أفكاره ليُعبّد لنا الطريق نحو مقاصده الخاصة، لا سيما وهو يخوض في موضوع بالغ الحساسية، إنه يخاطب قارئاً محكوماً بقواعد بيئية صارمة وعادات وتقاليد تجعل من الحديث عنها خروجاً عن سياقات الالتزام المجتمعي”.
وأوضح: “هنا تُحسب للغضبان شجاعته في تجاوز المألوف والتي عهدناها في تفاصيل كتاباته الساخرة بلوعة التهكم والحزن؛ فهو لم يضع نفسه خصماً للمجتمع، انما كشف الستار عن حالات مسكوت عنها بوصفها مؤسسة تُدار من قِبَل أصحاب المال والنفوذ، وصاغ ذلك بطريقة سلسة مستساغة، متوجاً رحلة الشقاء بالتوبة كنهاية أخلاقية وفنية”.
وأشار الى إن “هذه المحاولة الجريئة تذكرنا بموقف جان بول سارتر حول “الأدب الملتزم”، حيث يرى أن “الكاتب ليس مجرد مراقب، بل هو فاعل يختار كلماته لِيُغيّر العالم، إن اختيار الموضوع الصعب هو ممارسة للحرية والمسؤولية تجاه مجتمع يحتاج لمن يكشف له عيوبه دون أن ينسلخ عنه، لذا، لم نستغرب هذا التميز في عالم السرد؛ فالولوج في عوالم زهور الدمن منذ الفصل الأول يشي بفكرة كبرى تحمل معالجات عميقة لهموم العصر الماجن، بعيداً عن الهزل، الإسفاف، أو قيود القوانين الجافة”.
وأكمل: “لقد استطاع الغضبان أن يقنع المتلقي بشخصية الشاعر كبديل ناجح عن الواعظ التقليدي؛ هنا يكتب لنا فلسفة الفكر، فلسفة تستنطق تجول كمحرك فاعل يتماهى مع الحقائق ويؤسس لخواتيم بيضاء تكتسي بما تركه القبح كنتيجة حتمية أراد بها استدراك الحيثيات والبواطن الخفية التي جعلت من المجتمعات فريسة للخراب وهنا حل الضاري ليؤكد أنها الأصوب والأنجع في المعالجة، مفضلاً إياها على فلسفة الثواب والعقاب التقليدية، محولاً النص إلى مرآة تجمّل الروح قبل أن تحاكم العقل أو الجسد”.



