العجز يطوق الموازنة المقبلة والاقتراض خيار أساسي لتمريرها

في ظل شُح الإيرادات وارتفاع النفقات
المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
يشهد الاقتصاد العراقي، مرحلة مالية معقدة مع بدء الحديث عن إعداد موازنة عام 2027، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الخزينة العامة نتيجة انخفاض الإيرادات النفطية، وارتفاع النفقات التشغيلية، واتساع حجم الدين العام، وسط مؤشرات تثير تساؤلات واسعة بشأن قدرة الحكومة على تمويل التزاماتها في ظل هذه التحديات المالية الكبيرة.
وتأتي موازنة 2027 في ظروف تختلف عن السنوات السابقة، بعد فشل الموازنة الثلاثية في الإيفاء بالتزاماتها، ونتيجة لشح الإيرادات النفطية، يفترض على الحكومة إعداد موازنة سنوية جديدة تستند إلى مبدأ البرامج والأداء، وسط تحديات اقتصادية داخلية وتطورات إقليمية ألقت بظلالها على أسواق الطاقة وأسعار النفط، وهو المصدر الرئيس لإيرادات الدولة العراقية.
وتشير التقديرات الأولية إلى أن حجم الموازنة قد يقترب من 200 تريليون دينار، إلا أن السؤال الأبرز لا يتعلق بحجمها بقدر ما يرتبط بقدرة الدولة على توفير التمويل اللازم لتنفيذها، في ظل تراجع الإيرادات واستمرار ارتفاع الإنفاق التشغيلي الذي يلتهم النسبة الأكبر من الإنفاق العام.
وتؤكد بيانات رسمية، أن الحكومة قد تضطر للجوء إلى قانون الاقتراض والمنح كخيار مؤقت لتأمين الرواتب والنفقات الأساسية، لضمان استمرار الإنفاق لحين إقرار الموازنة، مشيرة إلى أن تقلب أسعار النفط، واتساع حجم النفقات يعززان الحاجة إلى الاقتراض لسد العجز وتأمين التمويل اللازم.
وتواجه المالية العامة للدولة أرقاماً مقلقة، إذ تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن حجم الدين الداخلي وصل إلى نحو 140 تريليون دينار، فيما يتجاوز العجز المالي المتوقع 64 تريليون دينار، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجه الحكومة المقبلة في إدارة الملف المالي، خاصة مع استمرار اعتماد الاقتصاد العراقي بصورة شبه كاملة على عائدات النفط.
كما يشكل تضخم النفقات التشغيلية تحدياً إضافياً أمام إعداد الموازنة الجديدة، إذ تستحوذ الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية على الحصة الأكبر من الإنفاق، ما يقلص قدرة الحكومة على تخصيص الأموال اللازمة للمشاريع الاستثمارية، ولا سيما مشاريع البنى التحتية والخدمات الأساسية التي تحتاج إلى تمويل كبير بعد سنوات من التراجع والإهمال.
ويؤكد خبراء اقتصاد، أن استمرار هذا النمط من الإنفاق سيؤدي إلى تراجع فرص التنمية، لأن الجزء الأكبر من الموارد سيذهب لتغطية الالتزامات الجارية، بدلاً من توجيهه نحو مشاريع إنتاجية قادرة على توفير فرص العمل وتحفيز القطاع الخاص وتعزيز الإيرادات غير النفطية.
وتتزامن هذه التحديات مع استمرار الضبابية التي تفرضها التطورات الإقليمية وتأثيرها على أسواق الطاقة، فضلاً عن حالة عدم اليقين بشأن مستويات أسعار النفط خلال العام المقبل، الأمر الذي يجعل إعداد تقديرات دقيقة للإيرادات أمراً بالغ الصعوبة.
ومن جانبه، أكد الخبير الاقتصادي صالح مهدي الهماش، في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن الحكومة تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم في إدارة الملف الاقتصادي، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب قرارات إصلاحية جريئة لمعالجة الاختلالات المالية قبل تفاقم الأزمة.
وأفاد الهماش، إن “الخيار الأول يتمثل في تنفيذ إصلاحات اقتصادية ومالية شاملة، تتضمن وقف الهدر في الإنفاق العام، وتشديد الرقابة على المال العام، وملاحقة ملفات الفساد واسترداد الأموال المنهوبة، بما يسهم في تخفيف الضغوط عن الموازنة العامة وتعزيز الاستقرار المالي”.
وأضاف، أن “غياب هذه الإصلاحات سيقود إلى اتساع العجز المالي، ويدفع الحكومة إلى زيادة الاعتماد على الاقتراض الداخلي والخارجي لتغطية النفقات الأساسية، الأمر الذي سيضاعف الأعباء المالية ويزيد من حجم الديون خلال السنوات المقبلة”.
وأشار إلى أن “استمرار الأوضاع المالية على حالها قد يعرّض الاقتصاد العراقي لهزة كبيرة، ويضعف قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية، لافتاً إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم القروض بحد ذاته، وإنما في غياب الإصلاحات الهيكلية القادرة على إعادة التوازن للمالية العامة، وتنويع مصادر الإيرادات، وتقليل الاعتماد على النفط بوصفه المورد الرئيس للموازنة.”
وفي ظل هذه المعطيات، تبقى موازنة 2027 واحدة من أكثر الموازنات تعقيداً في تأريخ العراق الحديث، إذ سيحدد نجاحها أو إخفاقها مسار الاقتصاد العراقي خلال السنوات المقبلة، ومدى قدرة الدولة على تجاوز أزمتها المالية، والانتقال من اقتصاد يعتمد على النفط إلى اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة.



