الشاعر أحمد مصطفى سعيد بين شعرية الرفض واللغة الصوفية

عيد عبد الحليم ـ مصر
القصيدة متعة قلقة، كما يقول هنري دلوي، فالشاعر المعاصر أصبح يجتوي بنار الواقع الانساني الذي يعيش في إطاره، ومن وقود عذابته يولد الشعر، وتأتي القصيدة مهمومة وموجوعة بقدر الألم والوجع الذي يحيط بالذات الشاعرة. من هذا المنطلق تتفجر الرؤية الشعرية لدي الشاعر الجنوبي أحمد مصطفى سعيد، رؤية مغلفة بالألم والشحن والحنين للبراءة المفقودة نتيحة ما يحدث في عالم مليء بالصراعات والحروب والمآسي التي ينوء بها كاهل الإنسان المعاصر. وهذا ما نلحظه في قصيدة، زمن الخيبات، والتي تقوم على بنية الصراع الداخلي، بين عالم واقعي مشوه، بمفرداته الكابية السوداوية وبين عالم متخيل، بعيد المنال لكنه موجود في مخيلة الشاعر يحفزه على مواصلة الطريق. في زمن الخيبات لا غبار عليك إن تخليت عن أحلامك وابتلعت لسانك واتبعت قطيع النعام جموع القردة فمن ذا الذي يقف في وجه المردة بلا حسام لا غبار مات قبلك كمدا من أرقه الظلام ولعل التيمة المسيطرة علي الخطاب الشعري لأحمد مصطفي هي تيمة الرفض، بأشكاله المختلفة، الرفض السياسي والرفض الاجتماعي، ليس بشكل مباشر وإنما من خلال أبعاد رمزية تبوح بها القصائد، ومن خلال تقنيات شعرية حداثية ومنها، المجاز البصري، واللغة المشهدية، وتوالي التفاصيل، والترميز لتوسيع الدلالات، دون أن يفقد ذلك اللغة الشعرية تلقائيتها وعمقها في آن واحد. وأحمد مصطفى، في ذلك هو امتداد لسلالة من الشعر اء الجنوبيين الذين اعتمدوا على شعرية الرفض، الذي يمكن أن نسميه بالرفض الإيجابي، لأنه يرتكز علي رؤية كاشفة للوجع ويطرح رؤية مستقبلية للخروج من الأزمة. ولعل أبرز نموذج لذلك هو الشاعر الراحل أمل دنقل، يقول أحمد مصطفى:
والدمعات تنفيها البسمات
لا يفارق سمتك الندى الناري
هي سويعات وأنجو وتنجو الروح كفاها كمدا
أما الثيمة الأخرى التي تغلف الخطاب الشعري لأحمد مصطفى سعيد فهي الرؤية الصوفية التي تمنح اللغة الشعرية شفافية، وانسيابية أيضا، وإن اعتمدت هذه الرؤية على المفارقة، حيث المقابلة بين عالمين متناقضين، كالظلام والنور، والبدر والليل الأصم، والغربة والسمر وغيرها.
وتأتي المرأة لتلعب في وعي الشاعر دور الملهمة فهي طوق النجاة، والطريق للمستقبل، وهنا تبرز ثيمة ثالثة في الخطاب الشعري لأحمد مصطفى سعيد وهي الرومانسية، والتي أرى أن عليه أن يتخفف منها، ليحلق نصه في آفاق أرحب، ربما يقيدها ذلك البعد الرومانسي الذي لا تحتمله اللحظة الشعرية الراهنة.
وبعد، فأحمد مصطفى سعيد تجربة شعرية مبشرة، تقف على طريق الشعر تحمل طاقة أمل، بشرط أن تجدد من نفسها دائما، لأن الشعر ابن الحركة وليس الثبات.



