النسخة الرقميةثقافية

قراءة في كتاب «إختلافات واضافات النيسابوري للزمخشري في تفسير الكشاف» للباحثة زينب فخري

عدنان إبراهيم

يأتي كتاب الباحثة زينب فخري حسين الموسوم ( النيسابوري اضافاته واختلافاته مع الزمخشري في تفسير الكشاف) والصادر عن دار الشؤون الثقافية العامة في وزارة الثقافة، الطبعة الاولى 2018، يأتي ليشكل اضافة نوعية تسد فراغاً كبيراً في المكتبة العربية. لا شك أن دراسة من هذا النوع تعدُّ من أصعب وأدق الدراسات التاريخية التي اختلفت فيها الآراء ووجهات النظر القديمة والحديثة وفقا لمدارس المؤرخين واهتمامات الباحثين، وإن الخوض في تفاصيل تاريخ الزمخشري ومقاربة النيسابوري له أمر في غاية في الصعوبة، حتى قيل ان البحث في القرون الاربعة الهجرية (الخامس وحتى التاسع) من أعقد الدراسات البحثية، ولا سيما إذا ما تعلق الامر بالدراسات التي لها علاقة بعلم الكلام والفِرَق الكلامية والصراعات التي دارت بينها خلال هذه المدة التي توصف بأنها مدة عصيبة في الفكر العربي.
تقول الباحثة في مقدمة الكتاب «تكمن أهمية هذا البحث انه يسلط الضوء على تفسير النيسابوري بشكل واسع جدا، فالدراسات السابقة التي تناولت هذا التفسير لا تتجاوز اصابع اليد، برغم جهود مؤلفه الواضحة في اللغة والبلاغة والعرفان، ودراسته كانت بلاغية لمعرفة التطبيقات والنكات البلاغية التي اضافها على تفسير الكشاف)، المقدمة ص 6.
وقسّمت الباحثة كتابها الى أربعة فصول، تضمن الفصل الأول مبحثين: الأول تعريف بالمفسرين الزمخشري ونظام الدين النيسابوري. وشمل الفصل الثاني مبحثين ايضا، خصص المبحث الأول إلى إضافات النيسابوري في علم المعاني والتي فاتت الزمخشري ولم يذكرها في تفسيره الكشاف، فيما خصص المبحث الثاني للاختلافات البلاغية بين النيسابوري والزمخشري في علم المعاني وبينت أسباب هذا الاختلاف.
«مباحث النيسابوري البلاغية في علم البيان» خصصت له الفصل الثالث من الكتاب من خلال مبحثين ايضاً كان الأول قد تناول إضافات النيسابوري البيانية، والتي فاتت الزمخشري. وجاء في المبحث الثاني من هذا الفصل «الاختلافات البلاغية بين النيسابوري والزمخشري في علم البيان»، ولم يفت الباحثة توضيح علة هذه الاختلافات.
اما الفصل الرابع فقد وضعت له عنوانا «مباحث النيسابوري البلاغية في علم البيان»، وقد جاء بمبحثين ركز الأول على إضافات البديعية في هذا العلم والتي يدعي النيسابوري انها فاتت الزمخشري.
وأخيراً المبحث الثاني الذي كرّس للاختلافات البلاغية بين النيسابوري والزمخشري في علم البديع مشيرة الى سبب هذا التباين البلاغي.
ومن دون ادنى شك فان المكتبة العربية بحاجة، اكثر من اي وقت مضى الى مراجعة تاريخهم وتراثهم بما يسمح بالافادة مما هو حي فيه، إذ يقف العرب امام تحديات في مواجهة زحف بنى التقليد والتخلف واكتساحها ما تبقى من حداثة وتحديث، كان يجب ان تكون امتداد لعصر التنوير العربي الذي ابتدأ مع بداية الغزو الفرنسي لمصر. انها معركة المعارك بامتياز، وهي السبيل لإزالة هذا القيد الثقيل الكابح لامكانات التقدم، من خلال نفض التراب عن الكثير من الدراسات التراثية المهمة، برغم ان البعض من الباحثين يعدُّ الإقدام على دراسة من النوع بوصفها مغامرة.
إنّ التفكير خارج سلطة الموروث من شأنه أن يحقّق ثقافة الحوار محلّ ثقافة الاستبداد، وضرورة أن نغيّر تقاليدنا الفكريّة الجامدة لنطلق حركة نهضويّة جديدة تشمل كلّ أوجه حياتنا العربيّة المعاصرة.
وكما أشرنا آنفاً، يعدّ تفسير (الكشاف) من كتب التفاسير بالرأي ـ مع نزوع إلى الاعتزال (هي في الحقيقة شكلت اولى الدراسات العقلية) ـ حيث يعتمد في تفسيره على لغة العرب وأساليبهم، ويعنى عناية خاصة بعلوم البلاغة، تحقيقا لوجوه إعجاز القرآن الكريم، ويؤوّل آيات التوحيد بما يوافق العقل.
والواقع أن نظرة الزمخشري في دلالة الآيات الكريمة نظرة أدبية فاحصة, وكان فهمه لمعاني الآيات فهما عميقا غير متأثر لمذهب كلامي خاص، فهو لا ينظر في الآيات من زاوية مذهب الاعتزال كما رماه خصومه بذلك، بل من زاوية فهم إنسان حر عاقل أريب، يحلل الآيات تحليلا أدبيا، مستعينا بقواعد وأعراف البلاغة العربية الشائعة لدى الذائقة العربية، لذلك نال هذا الكتاب إعجاب العلماء وقراء التفاسير في عالمنا العربي.
وتفسير الكشاف للعلامة الزمخشري يدخل ضمن كتب التفاسير بالرأي، غير أن اللون البلاغي هو الغالب عليه، فهو يبرز بصورة دقيقة وبفهم عميق الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم، لذلك ليس عجيبا أن يضع الدكتور شوقي ضيف الكشاف جنبا إلى جنب مع دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجانى ليمثلا معا عصر ازدهار الدراسات البلاغية في تاريخ البلاغة العربية. ومهما يكن من الأمر فسيظل تفسير الكشاف من أبرز معالم الثقافة العربية, وأهم الكتب التي تعين المسلم على فهم وتدبر القرآن، والتعمق فى بلاغة آياته.
بقي ان نقول: ان جهدا كبيرا بذلته الباحثة زينب فخري في تأليف كتاب (النيسابوري اضافاته واختلافاته مع الزمخشري في تفسير الكشاف) وهو كتاب جدير بالقراءة، في وقت يتجنب الكثير من الباحثين الخوض في مثل هذه الموضوعات متشعبة الآراء ولاسيما في المجال الكلامي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى