رسالة د. محمد الدفراوي الشعرية.. قراءة متذوق

مصطفى ربيع ـ مصر
«وأؤمن إيمانا جازما أن رسالة الفن هي تبصير الإنسان، وتحويله من مرحلة الطين إلى مرحلة القبس الإلهي». هكذا عبر الأديب الكبير يحيى حقي عن إيمانه برسالة الفن ودورها في هداية الإنسان، وهكذا أزعم أن رسالة أي أديب، أو بتعبير أشمل، رسالة أي فنان تسير في خطوات ثابتة، تبدأ من خطوة عتبة العقل للإنسان إلى أن تصل إلى سقف هذا العقل،.أي إنسان إذا أراد أن يصل إلى القمة، عليه أن يبدأ من العتبة، ويسير في خطوات محددة.
من هذا المنطلق فإن قصص د. محمد الدفراوي لها رسالة واضحة، الرسالة التي تنبع من ذات الكاتب، والذي يحاول قدر استطاعته أن يخرج ذاته من مكنونها إلى عالم الشخصية.
د. الدفراوي منذ أن كتب «ساعة الحائط اللعينة» إلى أن كتب «من فوق كتفي صديقي» (وهي ست عشرة قصة اخترتها للقراءة) وهو سائر في طريق واضحة محددة، تجد أن كل قصة تختلف مع الأخرى، وتكاد تتحدث عن أشياء لا تتحدث عنها سابقتها، ولا تاليتها، ورغم ذلك تشعر أن كل القصص هي قصة واحدة، هذه هي الطريق التي أزعم أنها موجودة عند كل الكتّاب تقريبا، كل كاتب تكون له رسالة واضحة منذ أن يسطر السطر الأول في أعماله الإبداعية إلى أن يختمها بنقطة النهاية.
صحيح أن العمل الأدبي للأديب لا ينتهي، ولو انتقل الأديب إلى رحمة الله؛ لأنه يظل مستمرا باستمرار النقد، وباستمرار القراءة، وباستمرار التذوق.
د. الدفراوي رسالته هي الواقع العربي المعيش، رسالة تشعر معها بالتشويش، أحيانا تسأل نفسك: من الذي يتحدث؟ من هذه الشخصية؟ لذلك فإنه لا يصف لنا الشخصية كما فعل كتّابنا القدامى، تجدها مشوشة، لا تعرف أين بدايتها من نهايتها؟. ربما جاء هذا اعتباطًا من الكاتب، لكنه ينبع في الأصل من ذاته، من رسالته التي يعبر عنها» رسالة التشويش».
كذلك فإن الزمان والمكان مشوشان في أغلب القصص، ليعبرا عما أراد الكاتب التعبير عنه من حيث لا يدري، ويعيشه العالم العربي.
من ضمن رسالة الكاتب» رسالة المعاناة» وهو ما يعيشه العالم العربي أيضا، ظهرت هذه المعاناة أكثر ما ظهرت في قصة» في انتظار أن أصحو» هذا الرجل الشيخ الذي جاوز الستين عامًا يتألم ويعاني لتغير حالته، فقد أصبح قعيد الكرسي، ضائعًا.
ظهرت المعاناة كذلك في» ساعة الحائط اللعينة» فقد لعن البطل دوران الساعة وما تحدثه في رأسه وذهنه من تشويش.
ولكي يتغلب الشيخ على معاناته لجأ إلى شيء يحبه، وهو الكتابة، وكذلك فعل بطل الساعة.
هذا تقريبا ما يفعله العرب المعانون؛ حيث يخرجون طاقاتهم السلبية في الفن بكل أشكاله= الكتابة. القراءة. الرسم. البكاء…. وغير ذلك.
ما من إنسان إلا ويحب، وما من شعور أجمل وأرقى من شعور الحب، وما من شعور أسوأ، أو أكثر ألما على الإنسان من الفراق، والعرب من أكثر الأمم إنتاجا لمشاعر الحب، وحديثًا عن ألم الفراق؛
لذلك عبر الدكتور الدفراوي عن رسالته في الحب، وما ينتج عنه من فراق ـ أحيانًا ـ فعبر مثلًا في» رحلة سفاري» عن الحب من أول نظرة؛ عندما نظر البطل إلى الفتاة الجالسة بجواره؛ فأعجبته وأحبها، ولم يطق انتظارا، واعترف لها بحبه، كذلك» فوق هضبة الهرم» فقد أحب البطل فتاته بعد أن كان خارجا لمجرد أن يفرغ شهوته في أية عابرة، والحب الذي كانت نتيجته الجريمة في» جريمة حب» فقتل المهندس حبيبته، لأنها حملت منه، ولم يستطع الزواج منها، ومن الحب ما قتل! كذلك الحب في» أرجوك تكلم معي» هذه الفتاة التي ادعت أنها بكماء وصماء؛ لأنها لم تستطع من حبيبها، ولم يوفِ معها بعهد الحب؛ فهربت من مجتمعها إلى الصمم والبكم، والحب في» من فوق كتفي صديقي» ذلك الذي جعل الشاب ينظر إلى أجمل من رأت عيناه من فوق كتفي صديقه بشكل مبالغ فيه؛ فنهرته الفتاة، وادعت أنه يعاكسها ويعاكس البنات، والأصل أنه يرتوي منها! والحب في كل مكان، وفي كل زمان واحد، هو بحث عن ذات تنصهر مع ذات أخرى.
إذن رسالة د. الدفراوي في أعماله التي اخترناها واضحة هي» التشويش ـ المعاناة ـ الحب» والثلاثة منصهرون في بوتقة واحدة، هي بوتقة» العالم العربي»؛ لأن الثلاثة مشاعر ذهنية، ولأن التشويش في حياتنا يؤدي إلى المعاناة، ولأن المعاناة تنتهي بالحب، أو تستمر وتزيد بالفراق الذي هو من آثار الحب ونتائجه. هذا الفراق الذي نراه بوضوح في» لم يعد الفراق مؤلمًا» هذه المسكينة التي رحل عنها ابنها فأصيبت بلوثة؛ لأنها لم تستطع أن تحل معاناتها، وكان الفراق الزائد على المعاناة فأصيبت بالجنون، وهذا هو ما يعيشه العالم العربي من تشويش ومعاناة وحالات حب تنتهي في أغلب الأحيان بالفراق.
لم ننسَ أننا تحدثنا عن أن الصعود إلى القمة يبدأ من العتبة؛ لذلك نعود إلى عتبة العنوان، البداية في أي شيء هو عنوان هذا الشيء، وعناوين قصص د. الدفراوي عناوين طويلة إلى حد ما؛ فقليلا ما نجد عنوانا لقصة من كلمتين مثل» رحلة سفاري ـ جريمة حب ـ حافية القدمين ـ الراعي والكلاب» أي رُبع عدد القصص موضوع القراءة، وهذا إنما يدل على الرسالة الشعرية للأديب؛ فإن الطول هو ما يناسب التشويش، حيث لا نعلم البداية من النهاية، والطول يناسب المعاناة؛ لأن أية معاناة تسمى بذلك لأنها استمرت لمدة، وعهود الحب طويلة.
والناظر في العناوين يجدها تقريبا ثابتة على الجملة الاسمية، وأغلبها يبدأ بشبه الجملة، أي يقدم الخبر على المبتدأ، من ذلك مثلًا» في انتظار أن أصحو ـ فوق هضبة الهرم ـ على حافة الألم ـ من فوق كتفي صديقي…» هذا يؤكد ما قلناه حول الرسالة الأدبية؛ فالأصل أن تبدأ الجملة بالمبتدأ ثم يأتي الخبر، أما أن يتبع المبتدأ الخبر فهو نوع من التشويش، وهو نوع من المعاناة في الذهن عن أين بداية وأصل الكلام؟ وهو ما يجعل القارئ يبدأ في حل معاناته إما بالحب، وإما أن تستمر المعاناة فيقول للقصة» هذا فراق بيني وبينك».
وقليلة جدًّا هي القصص التي لهل عنوان جملة فعلية» أرجوك تكلم معي ـ لم يعد الفراق مؤلما» أي ثُمن القصص المختارة. فإذا كانت الجملة الاسمية تدل على معاني الثبات على رسالة الأديب، فإن الجملة الفعلية تدل على معاني الاستمرار على هذه الرسالة، وتجدد العهد بينها وبين الكاتب، وبين الكاتب والقارئ من ناحية أخرى.
تبقى نقطة، لا شيء يصل إلى الكمال؛ لذلك فإنه ـ وعلى المستوى الشخصي ـ قد أحببت قصة» على حافة الألم» وقصة» يوم لم ينتظره» وقصة» حافية القدمين» لأن في هذه الأخيرة ـ تحديدا ـ ثباتًا على الهدف المنشود، هذه البنت منذ أن تفتح جسمها وهي تحب الرقص، فثبتت على موقفها، وتركت الدنيا لأجل هدفها، وأنا أحب الثابتين على أهدافهم، بغض النظر عن صحة هذه الأهداف أو بطلانها من وجهات النظر المختلفة.
ولم أحب ـ على المستوى الشخصي ـ « الراعي والكلاب» فقد وجدت فيها محاولة للرمزية، فالأغنام ترمز إلى مرؤوسين، والكلاب ترمز إلى رؤساء، لكنها رمزية غير مستساغة؛ لأنها جاءت عن قصد وجهد، ولم تأتِ عفو الخاطر كما عودنا الدكتور الدفراوي.
في قصة» جريمة حب» أشعر أنها بذرة رواية، فالجريمة لو بُسطت لكانت رواية جيدة، وفيها شيء من الابتعاد عن فن القصة؛ لأن القصة لحظة زمنية معينة بما فيها من حشد وذكريات وتكثيف.
وبعد…
فيبقى أن أقول إن الدكتور محمد الدفراوي قد أجاد كثيرا في التعبير عن رسالته، وأحب الإنسان الذي يعبر عما يريد بالطريقة التي يريد.
وأرجو أن يقبل مني هذه القراءة، وهي قراءة متذوق ليس إلا، وهي محاولة للصعود إلى أن يسير الكاتب والقارئ جنبًا إلى جنب؛ هذا يكتب والآخر يقرأ ويتذوق؛ فتنهض مرة أخرى الحياة الفنية الإبداعية في بلادنا الحبيبة.



