اراءالنسخة الرقمية

متلازمة التطرّف والتعميمات الجاهزة

مسلم عباس
الصراع هو السمة البارزة في العلاقات بين المجتمعات الانسانية في هذه الظروف الراهنة، فحتى أكثر الدول صداقة نسمع عن علاقات متبادلة على أساس مصالح الطرفين، أما الأحكام القيمية فغالبا ما تقف في الخطوط الخلفية لخطابات زعماء العالم، وان تم ذكرها فلا تتعدى حدود المصلحة المتبادلة بين الفائدة المرجوة من النص والشخص الذي يوظف الحديث القيمي لإظهار نفسه كشخص حامي حمى الانسانية. التطرف في الاتجاهات والسلوكيات كان النتيجة الحتمية لغياب حكم القيمة وانتشار حكم المصلحة أو (المصالح المتبادلة، الكليشة الجاهزة لأي زعيم سياسي في العالم)، وبرغم ان التطرف ارتبط عمليا بالطبقات الحاكمة إلا ان ترسباته غالبا ما تنساب بشكل سريع الى قاعدة الهرم الاجتماعي وتصل الى الطبقات العريضة من المجتمع، وعندما يصل التطرف الى هذه النقطة يصبح قد أكمل دورة حياة كاملة، لكنها ما تلبث ان تعود بشكل معاكس لتنتقل حمى التطرف وإصدار الأحكام الجاهزة من عامة الناس الى الطبقات الحاكمة، وفي هذه المرحلة يطلق على القيادات التي تتبنى أفكارا عامة الناس بـ(الشعبويون أو الشعوبيين). تصبح أحكام الشارع الجاهزة التي تطلق على هذه الفئة الاجتماعية أو تلك هي السمة البارزة للكثير من المجتمعات، فيما يسمى بخطاب التعميمات الجاهزة والتي لا تستند الى الواقع بقدر استنادها الى أحكام معلبة أما أطلقتها الطبقة الحاكمة من أجل الاستفادة منها في ظرف معين، أو انها نفس تلك الافكار وتم الاضافة عليها أو الحذف منها بعدما التقطتها عامة الناس وراحوا يروجون لها، لتضطر الطبقة الحاكمة الى تبنيها من جديد حتى وان كانت لا تتوافق مع قواعدها السلوكية العامة وبرامجها التي تتبناها. باختصار فان التعميم السطحي هو نتيجة لتوظيفه من قبل الطبقات الحاكمة في ظروف معينة وقد يتناقض مع الاهداف العامة لمروجيه لكن يتم استخدامه لأهداف محددة ومؤقتة، على القاعدة الميكافيلية (الغاية تبرر الوسيلة). لكن التعميم السطحي دائما ما يؤدي الى غبن فئات اجتماعية لم تتبنَ ما يروج له وهو ما يؤدي بالبعض الى الوقوع فريسة الظلم لتلك الفئات الاجتماعية التي لا ناقة لها ولا جمل في كل ما يصدر من احكام ضدها، وكل ما ارتكبته من جرم انها كانت ضمن تكتل اجتماعي نشأ على قيم ومعايير محددة تم اختراقها من قبل فئة قد تقل أو تكثر، لكن الأكيد ان ذلك الفعل لم يكن مقبولا لدى جميع المنتمين لهذه الشريحة الاجتماعية التي قد تكون حزبا أو مجموعة دينية أو قومية، وبالتالي يمكن تقسيم اي جماعة بشرية الى ثلاث مجموعات تفرض علينا أخذها في الحسبان قبل اصدار أي حكم ضدها بغية عدم الانسياق وراء التعميمات السطحية وهي كالاتي: المتشددون: وهم غالبا المتمسكون بقيم الجماعة بكل تفاصيلها ويرفضون أية وجهة نظر مغايرة، وهذا بالطبع سيؤدي الى انتهاك حقوق الجماعات الأخرى اذا ما أخذنا في الحسبان التطرف القائم على الغاء الآخر وتكفير (التكفير هنا كل فعل الغائي يرى في الاخر غير مؤهل لأخذ دوره في الحياة وهو لا يقتصر على التكفير المعروف لدى الجماعات الدينية).- المعتدلون: وهم الذين يتبنون أفكارا تتسم بطابع القبول بالآخر ولا ترفض التعاون مع الجماعات الأخرى، وبرغم انهم يؤمنون بقيم الجماعة التي ينتمون اليها لكنهم يتخذون من الحوار والانفتاح على الاخر طريقا ومنهجا في التعامل. المحايدون: وهؤلاء ليسوا متطرفين ولا معتدلين بل قد لا يتبنون أفكار الجماعة التي يعيشون في كنفها أصلا. وقد تكون الجغرافيا أو عوامل أخرى قد أدت الى دمجهم مع جماعة أو دولة معينة أو إقليم معين، ولأسباب عدة اكتسبوا بعض خصائص الجماعة مثل اللغة لكن تبقى لهم آراء خاصة قد تختلف مع أفكار الجماعة التي يعيشون معها. المتطرفون وأصحاب الأحكام السطحية لا يفكرون بهذه الذهنية ولا يفصلون بين تلك الفئات المشار اليها انفا، وبالتالي هم يعممون أي فعل يقوم به شخص واحد أو مجموعة أشخاص ينتمون لطائفة دينية أو قومية على المجموعة الدينية كلها، والمثال الأبرز هنا مرشح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأمريكية، السابق والذي قد تبنى موقفا متشددا من المسلمين جميعا لان إرهاب داعش تبنت أعمالا إرهابية ضد أمريكا، برغم ان داعش قتلت من المسلمين عشرات الاضعاف مما قتلت من غيرهم. ان السبيل الناجح لسيادة العيش الكريم للإنسانية يقتضي الابتعاد عن التعميمات الجاهزة والتفكير السطحي، بل ان اختصار عمل شخص واحد على جماعة كاملة لا يمثل ذكاء من قبل مطلقي تلك الأحكام التعميمية بل يعبر عن قصر النظر وسطحية التفكير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى