النسخة الرقميةثقافية

مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي

لطيف عبد سالم

60

تدعيماً لِمَا ذُكر آنفاً، فَمِن الْمُفِيدِ الإشارة هُنَا إلى أنَّ هناكَ الكثير مِن الرؤى الَّتِي لها دلالاتها العميقة فِي بيانِ أهمية هَذَا الأمر، وَلعلَّ مِنْ بَيْنَها مقولة جميله أطلقها قبل عقود مِن الزمانِ الشاعرَ وَالكاتب المسرحي وَالممثل الإنجليزي وِلْيَمْ شكسبير (1564 ـ 1616) الَّذِي يُعَدُّ مِنْ أشهرِ الشخصيات الأدبية الكبرى فِي العالمِ الغربي، وَالَّتِي يعبر فِيهَا عَنْ رفضِ الإنْسَان الخضوع لإكراه السُّلطةَ بقولٍ نصه «أَطلِقْ لسانك بما تشعرُ به وليس بما أنت مُجبرٌ على قولِه». وَلأَنَّ السَماويَّ يحيى مؤمن بحتميةِ الخلاص وَبزوغ فجرٍ جديد، فقد كان بشهادةِ مجايليه ـ وَمَا يزال ـ وَطنياً مخلصاً، لَمْ يتخذ مِنْ توجهِه اليساري «جداراً شعائريا أو مظهراً شعبيا أو موقفاً استعلائياً»، فالسَماويّ يحيى بحسبِ الفنان التشكيلي وَالناقد عباس حويجي «يساري بالفطرة، فطرة إنسانية تقف دائماً مع المظلوم ضد الظالم، ومع الحق ضد الباطل، ومع الاشتراكية ضد الرأسمالية». وَيعلل حويجي – الَّذِي عُرف بنظمِ الشعر أيضاً منذ يفاعته – المَسَار النضالي الخاص بصديقِ طفولته أبي الشيماء بالقول «هو موقف إنساني عام، دعمته الموهبة الشعرية المبكرة عندما لامس شغفه الثقافي بمواقفِ وأدب شعراء اليسار الكبار كالجواهري وبحر العلوم والسياب والبياتي والحيدري وسعدي يوسف وغيرهم، إضافة الى شعراءِ اليسار العالميين حيث تتداول كتبهم ومواقفهم في تجمعات مثقفي اليسار». وَفِيمَا كان حويجي يلامس قدح الشاي بأنملته مِنْ دُونِ أنْ يتناولَ رشفة منه وَهو يحاول العودة بذاكرتِه إلى الأمسِ البعيد لاسترجاعِ شريط الذكريات، عاد إلى الحديث بالقول «من ماياكوفسكي واراغون وإيلوار وناظم حكمت ولوركا ونيرودا الاكثر شهرة وتداولا منذ الخمسينيات من القرن الماضي، شكّل هؤلاء وغيرهم ليحيى وأمثاله من شعراء اليسار العراقيين: شعلة التمرد ومفتاح التنوير وفرح الاكتشاف ورؤى التجديد والحداثة؛ فتسلحت تلك الفطرة بالوعي السياسي والتطور الفني والنظرة التقدمية للتراث القومي والفولكلــور الشعبــــي، وما يتمخض عن النضال السيـــاسي اليومي».
وَيختتم حويجي شهادته عَنْ السَماوي بالقول «يسارية الشاعر يحيى السماوي كانت اختياراً لا بد منه وانتماءاً إنسانياً أكثر مما هو حزبي، فهو من جيلٍ كانت السياسة شغله الشاغل، ومن بيئةٍ اجتماعية تعيش على حافةِ الكفاف مثل أكثرية الشعب العراقي آنذاك».
أيـتـهـا الـمُـقيَّـدةُ بـسـلاسـل نـبـضـي
الـمـحـكـومـةُ بـعِـشـقـي الـمـؤبّـد:
مـا أضيـق زنـزانـةِ الـدنـيـا
لـولا
نـافـذةُ الـحـب!
ـ ـ
حـيـن رأيـتـكِ
إكـتـشـفـتُ أنّ قـوسَ الـقـزح
يُـمـكـن أنْ يـتـألَّـفَ مـن لـونٍ واحـد
وأنّ الـوردةَ الـواحـدة
يـمـكـن أن تـكـون بـمـفـردهـا حـديـقـة
ـ ـ
نـهـرُكِ الـذي شـربـتُـهُ قُـبـلـةً قُـبـلـة ذات لـقـاء
ذرَفْـتُـهُ
دمـعـةً دمـعـة ذات وداع
دأبَ الأدباءُ وَالفنانون منذ أمد بعيد عَلَى وصفِ الكثير مِنْ المشاهدِ الصادمة لصورِ الظلم الَّتِي تتحكم فِي تشكيلِها مُؤَسَّسَات الأنظمة الشمولية القائمة عَلَى سوءِ استخدام السُّلطات الممنوحة لِهَا دستورياً مِنْ أجلِ توفير الحقوق الإنسانيَّة لمواطنيها، بعد أنْ ركنت تلك الحُكُومات إلى استخدامِ مَا تباين مِن الأساليبِ القمعية امتداداً لفشلِها فِي إدارةِ سياسات بلدانها.
وَفِي هَذَا السياق يُعبر الطبيب وَالأديب الروسي أنطون تشيخوف (1860 – 1904) الَّذِي كان يُنظر إليه بوصفِه مِنْ أفضلِ كتاب القصة القصيرة عَلَى مدى التاريخ، عَنْ التأثيراتِ المباشرة الَّتِي تقع عَلَى الشخصِ الَّذِي يتعرض إلى المظلوميةِ بالقول «لا أريد شيئا, ولكن الظلم يثير تقززي». وَليس خافياً أنَّ المواطنَ العراقي كان يتعرض للاعتقالِ عند قيامه بأيِّ نشاطٍ يعارض سِّياسَات النظام الدكتاتوري الَّذِي تمرس عَلَى خنقِ الحريات، وَعُرفَ بارتكابِه التجاوزات، فضلاً عَنْ فرضِه حالة مِن الرهبةِ فِي نفوسِ المواطنين، إلى جانبِ إحكامه رقابة صارمة عَلَى جميعِ الأنشطة المتعلقة بحريةِ التعبير؛ إذ لَمْ تكن هناك ضمانات لممارسةِ الجماهير حقها فِي التعبيرِ عَن الأفكارِ والآراء، مَعَ العرضِ أنَّ حُرِّيَّةَ التعبير تُعَدّ أحد حُقُوق المواطن الأساسية.
وَكمثال حيّ عَلَى ذلك هو الضغوط الَّتِي كانت تمارسها حُكُومة القائد الضرورة حيال مَا كان يقام مِنْ نَّشَاطُاتٍ ثقافيَّة، كما حدث عَلَى سبيلِ المثال لا الحصر فِي عام 1971م، حين أُقيمتْ أمسية شِعْرية فِي ساحةِ النادي الرياضي بمدينةِ السَماوة، وَلمصادفةِ وجوده فِي مدينته، دُعي السَماوي يحيى الَّذِي كان وقتها طالباً فِي الجامعةِ للمشاركةِ فِي فعالياتها، فلبّى الدعوة استجابة لإلحاحِ الأصدقاء وَالمشرفين عَلَى تلك الأمسية، فارتقى المنصة وَقرأ قصيدة لَمْ يمتدح بِهَا فكر الحزب الحاكم أو الترويج الموهومِ مِنْ إنجازاته، فكان أنْ طرقَ شرطيّ أمن باب أبيه فِي اليومِ التالي، معتمداً أسلوباً سلساً فِي محاولةِ إقناع السَماوي الحضور إلى مُدِيرِيَّةِ أمن البلدة، حيث أبلغه قائلا: «إنَّ السيدَ مدير أمن البلدة عنده سؤال بسيط، ولـــن تتأخر غير دقائق معدودة».
وَمَعَ معرفته بخفايا الأمور وَعواقبها فِي أجهزةِ أمن النظام منذ أنْ لسعَ ظهره أول سوط، وتلقى وجهه أول صفعة فِي معاونية شرطة القشلة، لكنه لَمْ يكن فِي يده حيلة سوى الذهاب مَعَ رجلِ الأمن الَّذِي اصطحبه إلى تلك المُدِيرِيَّة الَّتِي استقبلته فِيها مظاهر العنف كالعادة قبل أنْ يخبره الضابط الَّذِي يدير مُدِيرِيَّة أمن البلدة رسالة فِيها تهديد مبطن، بِمَا مفاده «إنَّ الشِّعْرَ سيسبب له الكثير مِن الإهانات، ويجعله يخسر كرامته وسمعته».
حـيـن مَـسَّـدَتْ نـحـلـةُ فـمـي زهـورَ شــفـتـيـكِ
سـالَ الـشـهـدُ مـن قـلـمـي
وسـطـوري غـدتْ بـتـلاتِ نـجـوم
ـ ـ
يـومُـكِ أمـسـي.. وغـدي يـومُـك..
مُـذْ أنـقَـذَتِـنـي مـنـي وأطـفـأتِ حـرائـقـي بـنـارك
ونـحـنُ:
قـوسٌ وسـهـم..
مـحـراثٌ وتـنُّـور..
ومـحـرابٌ وصـلاة
وحـدُهُ تـنـورُكِ مـا يـمـلأ صـحـونَ مـائـدتـي
ولـيـس مـا يـمـلأ واديـكِ الـعـمـيـقَ
إلا سـيـولـي
ـ ـ
نـهـرُكِ الـمـمـتــدُّ مـن قِـمَّـةِ رجـولـتـي
حــى أخـمـصِ أنـوثـتـِك
صـرتُ ضِـفـتَـه الـثـالـثـة!
ـ ـ
يـوم تـسـلّـقـتُ نـخـلـتـكِ قُـبـلـةً قُـبـلـة
ســقـطـتُ مـغـشـيّـاً عـلـيـكِ
مـن أثـر الـلـذة
وكـمـا يـتـلاشـى الـدخـانُ فـي الأعـالـي
تـلاشـتْ أمـطـاري فـي واديـكِ
مـوقـظـةً عـشـبَ ربـيـعِـك
فـي صـحـراءِ خـريـفـي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى