اخر الأخبارثقافية

الحسين ثائراً .. أيقونة المسرح التي تحدت المنع وصنعت الخلود

تمثل مسرحية “الحسين ثائراً” للمخرج الكبير جلال الشرقاوي واحدة من أكثر التجارب المسرحية العربية جرأة وتأثيراً في تناول الثورة الحسينية، إذ استطاعت أن تقدم ملحمة كربلاء برؤية فنية راقية جمعت بين الإبداع المسرحي والرسالة الإنسانية، لتصبح عملاً استثنائياً ما زال حاضراً في ذاكرة الجمهور رغم مرور السنوات.

تميزت المسرحية بقدرتها على تحويل الحدث التأريخي إلى خطاب إنساني خالد، إذ لم تقتصر على استعراض وقائع عاشوراء، بل قدمت الإمام الحسين عليه السلام رمزاً عالمياً للحرية والعدل والكرامة، وهو ما منح العمل بُعداً فكرياً تجاوز حدود الزمان والمكان، وجعل رسالته صالحة لكل عصر.

وأظهر جلال الشرقاوي حساً إخراجياً رفيعاً في توظيف عناصر العرض المسرحي، من الأداء التمثيلي واللغة الشعرية إلى الإيقاع الدرامي والصورة البصرية، ليصنع عملاً حافظ على قدسية الموضوع دون أن يفقد جاذبيته الفنية. وقد جاءت الشخصيات مرسومة بعناية، فيما أسهمت الحوارات بترسيخ المعاني الأخلاقية والإنسانية التي قامت عليها ثورة الإمام الحسين.

ورغم ما تعرضت له المسرحية من محاولات للمنع والتضييق، فإنها خرجت أكثر قوة وحضوراً، وأثبتت أن الأعمال الفنية الصادقة لا يمكن أن تغيبها القرارات الإدارية أو الضغوط، لأن مكانها الحقيقي يبقى في وجدان الجمهور، ولقد تحول المنع إلى شهادة على جرأة العمل وأهميته، فازدادت قيمته التأريخية والفنية، وأصبح اسمه يتردد كلما جرى الحديث عن المسرح العربي الجاد.

وصدرت المسرحية  في عام 1969، وهي تتناول رفض الحسين بن على بن أبى طالب “عليه السلام”، إعطاء البيعة ليزيد بن معاوية عام 60 من الهجرة، وتطورت أحداث ذلك الرفض وصولاً إلى لحظة استشهاد الحسين على أرض كربلاء في العراق.

وقد تم ترشيح الممثل المسرحي الكبير عبد الله غيث لتجسيد دور الإمام الحسين (ع)، من قبل المخرج كرم مطاوع وباقي فريق العرض من كبار الممثلين ومنهم الممثلة العملاقة أمينة رزق ويوسف وهبي وفردوس عبد الحميد الذين انخرطوا في التدريبات على المسرحيَّة لأسابيع معدودة.

ولا تزال “الحسين ثائرا” حتى اليوم تمثل نموذجاً للمسرح الملتزم الذي يجمع بين الفن والفكر، وتؤكد أن المسرح الحسيني قادر على مخاطبة الضمير الإنساني، وترسيخ قيم الإصلاح والتضحية والكرامة بأسلوب إبداعي رفيع. ولهذا بقيت المسرحية علامة مضيئة في تأريخ المسرح العربي، وعنواناً لانتصار الفن الأصيل على كل محاولات المنع والتهميش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى