النسخة الرقمية

إذاعة السرّ وكتمانه

يغفر الله سبحانه ذنوب الإنسان الخاصّة به بينه وبين ربّه بمجرّد أن يتوب، لكنّ ذنوبه المرتبطة بالناس أيّاً كانوا لا تُغفر إلّا أن يغفرها صاحبها. ورد عن الإمام عليّ عليه السلام: «إنّ الذنوب ثلاثة: فذنبٌ مغفورٌ، وذنبٌ غير مغفورٍ، وذنبٌ نرجو ونخاف عليه»أمّا الذنب المغفور، فعبدٌ عوقب في الدنيا، فالله أحلم وأكرم من أن يعاقب عبده مرّتين، وأمّا الذي لا يُغفر فمظالم العباد بعضهم لبعض… وأمّا الذنب الذي نرجو ونخاف عليه فذنبٌ ستره الله على عبده ورزقه التوبة، فأصبح خاشعاً من ذنبه راجياً لربّه..فقال الله عزّ و جلّ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (آل عمران: 110)..وبعضهم أولياء بعض:يتميّز المجتمع الإسلاميّ بالإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويشكّل على هذا الأساس خير أمّة ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. والإيمان يعني الإقرار بولاية الله عزَّ و جلَّ الذي له الولاية على الخلق..وكما عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم:»يا أبا ذرّ، المجالس بالأمانة وإفشاء سرّ أخيك خيانة»، وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: «من أقبح الغدر إذاعة السرّ»..قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ (الحجرات: 12)..وينهى الله تعالى عن التجسّس؛ وهو السعي في اكتشاف أسرار الآخرين وما خفي من أمورهم، فالإسلام لا يبيح أبداً كشف أسرار الآخرين؛ لأنّ أسرارهم ملكٌ وحقٌّ لهم، أفراداً كانوا كالزوجة والابن والأقارب والأصدقاء، أم جماعاتٍ، كالعائلة والقرية والبلدة. وما يراه الإنسان دون غيره من هذه الأسرار لا يجوز كشفها وإن كانت من السيّئات والمعاصي؛ لأنّه يدخل ضمن أحكام الغيبة أو النميمة اللّتين هما من كبائر المحرّمات، أو في الإضرار إذا كان فيها ضرر، أو إشاعة الفحشاء ونشرها..فإشاعة الفاحشة: لأنّ ذكر الفحشاء يجعلها عادية عند الناس تدريجيّاً، حرَّم الله سبحانه كلّ ما يُعدّ إشاعة للفحشاء، فيما روي عن الإمام الصادق عليه السلام:»من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته أذناه، فهو من الذين قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾«وقد سمّى عليه السلام الأسرار عورات. والعورة يجب سترها لا كشفها، كما في الكافي عن عبد الله بن سنان قال: «قلت له:عورة المؤمن على المؤمن حرام؟ قال: نعم، قلت: تعني سفلَيه؟قال: ليس حيث تذهب إنّما هو إذاعة سرّه»..إنّ بعض المحرَّمات يُعاقَب عليه الإنسان في الدنيا قبل الآخرة..فهنالك أمورٌ يحسن إخفاؤها..كذلك يحسن إخفاء بعض الأمور في علاقة الناس بعضهم ببعض، منها: الإحسان إلى الناس: عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام: «يَا عَمَّارُ الصَّدَقَةُ واللَّهِ فِي السِّرِّ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ فِي الْعَلانِيَةِ، وكَذَلِكَ واللَّهِ الْعِبَادَةُ فِي السِّرِّ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي الْعَلَانِيَةِ»..وأسرار المنزل:فعلى الزوج والزوجة عدم كشف أسرارهما وأسرار منزلهما للآخرين..وهناك أمور لا يجوز كتمانها، منها: العلم: في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله وتعليم الناس أحكام الله..والشهادة: في الدعاوى يجب الشهادة بالحقّ، ولا يجوز كتمانها. قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (البقرة: 283)..فعلى المؤمنٌ الذي يرجو الله تعالى، ويسعى للقرب منه، أن ينتبه إلى ما لديه من أسرار الناس، ويحافظ عليها، ولا يكشف أيّاً منها إلّا بإذنهم،ومع عدم الإذن فليتقِّ الله ربّه، وليحذر عقابه وطرده من قربه ورحمته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى