كيف يجمع الإمام المهدي كلمة شيعته ومواليه ؟
السيد عباس نورالدين
لا تنحصر معاناة الموالين والمحبّين لأهل البيت (عليهم السلام) في استضعاف أعدائهم لهم والتنكيل بهم ومحاصرتهم ومحاربتهم وقمعهم؛ فهناك معاناة، لعلّها أشد وأنكى، وهي ما يحصل فيما بينهم من عداوات ونزاعات في شتّى المجالات، وخصوصا المجال الدينيّ والفكريّ..فتأمّلت مليًّا في سيرة الإمام الخميني منذ أن صدع بإعلان المواجهة الكبرى ضدّ النظام الطاغوتي، فوجدت أنّ أشد ما لاقاه هذا الفقيه العارف كان من داخل البيئة الدينية التي انطلق منها. وقسمٌ كبيرٌ من هذا العداء كان بسبب اختلاف الفكر والرؤى مع الإمام، وإن كان لا ينبغي أن نستبعد عنصر الحسد المعروف بين العلماء..فهناك من يعتقد بأنّ موالي أهل البيت ومحبّيهم لا ينقصهم شيء على مستوى العلم والإمكانات لتحقيق الكثير من الأهداف الرسالية والانتصار على أعدائهم أو كبتهم وصدّهم ومنعهم من الاعتداء عليهم، كما يحصل اليوم في مختلف أرجاء العالم؛ لكن تشتّتهم وتمزّقهم وتفرّقهم هو نقطة ضعفهم الكبرى، التي تقف حجر عثرة أساسية أمام تحوّلهم إلى قوّة عظمى..وبالتأمّل في نقاط قوّة محبّي أهل البيت يمكن أن نصل إلى هذه النتيجة نفسها. فما عندنا من تراثٍ عظيم تركه لنا أهل بيت العصمة والطهارة، كفيل ببلورة مشروعٍ متكامل لتشكيل مجتمعٍ مثاليّ تزدهر فيه المعنويّات والماديات بصورةٍ تجعله مجتمعًا متطوّرًا ومتقدّمًا على المستوى الحضاريّ. وفي مثل هذا الإنجاز تكمن القوّة التي تجعل شعوب العالم متردّدة في تأييد حكوماتها التي تشنّ كل هذه العداوات..وإنّ ما تمّ جنيه من تراث أهل البيت لحدّ الآن يكفي لتحقيق مثل هذا الإنجاز الحضاريّ، الذي يجعل مواليهم أقوياء إلى هذا الحد؛ لكن المشكلة تكمن في اختلاف رؤوس الموالين وزعمائهم الدينيين وغير الدينيين على أولويات المشروع والأطروحة؛ هذا، إن لم نحسب حساب وجود زعماء موالين لأعدائهم يعملون في الخفاء وفق مخطّطاتهم وأجندتهم؛ وهذا إن لم نضف العامل النفسيّ السلبيّ الذي يجعل بعض الزعماء ينطلقون في حساباتهم من موقع حبّ الرئاسة والزعامة والوجاهة..فلو اتّفقت كلمة زعماء الموالين وعلمائهم المؤثّرين على أولويات العمل والمشروع والحركة الاجتماعية، لأصبحت تلك الزعامات العميلة والمريضة مكشوفة إلى الدرجة التي تسقطها من عدّها الذي تتلطّى به لركوب أمواج الجماهير. لكن حين يختلف الصالحون أو الطيبون فيما بينهم، فسوف يتسلّل المنافقون ومرضى القلوب في صفوفهم، ليستغلوا هذه الخلافات ويؤجّجوا تلك العداوات مواسين للبعض ومحرّضين لآخرين.
فمن الطبيعي أن يفتقر الموالون للاستحكام الفكريّ الذي يوحّدهم ويجمعهم كصفٍّ واحدٍ وبنيانٍ مرصوص، وذلك حين يكونون على مدى العصور مكشوفين لأعدائهم ويعيشون تحت سطوة سلطات جائرة أو نفوذ قوى استعمارية.. فعلى سبيل المثال، لم تتمتّع الحوزات الدينية، في تاريخها الممتد، بالقدرة التنفيذية اللازمة لمنع أي نفوذيّ أو خائن أو مستغل أو منحرف من الوجود فيها والعمل والتدريس وممارسة أي عمل هدام. وإنّما شكلت القوة المعنوية لمراجعها العظام، بعض المناعة بواسطة علميتها ونفوذها المعنوي، ما جعل أولئك المستغلّين معزولين ومفتضحين.
وحين لا يترعرع الفكر ضمن بيئة واقعية تطبيقية مرتبطة بالمجتمع وتحدّياته ومشاكله، فمن المتوقّع أن تتشكّل أولويات غير الأولويات. وهذا هو العامل الأوّل الذي أنشأ العديد من التيارات العلمائية والدينية المتضادّة أو المتصارعة، التي يوغل بعضها في التاريخ والسلالات إلى الدرجة التي تجعلك تظن أنّه لا مجال لبناء أي جسر للتواصل والتحاور..وإنّ ابتلاء المؤمنين ببعضٍ كان، ولا يزال، سنّة من سنن التاريخ والحركة الاجتماعية التي تفقد إمامها أو تعجز عن الاهتداء بهديه. لهذا، فإنّ إحدى أهم القضايا التي يجب تفعيلها على أعلى مستويات البحث العلميّ هي قضية الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، فما لم تؤسَّس الأصول العلمية المتينة لدراسة هذه الظاهرة العظمى وامتداداتها ولوازمها وشروطها، فمن البعيد أن يتمكّن الموالون من بناء الجسور اللازمة لرأب صدوع الخلافات على الأولويات.
إنّ حضور قضية الإمام هذه المرّة، مع كل هذه القدرة العلمية التي تراكمت على مدى العصور، سيكون كفيلًا بإنتاج تراثٍ معرفيّ معنويّ توحيديّ فكريّ حضاريّ لا مثيل له. ألم يأن الأوان بعد؟!.



