النسخة الرقمية

الصلاة محور الحياة الروحية

السيد عباس نورالدين

الصلاة في الحقيقة ثناء على الله تعالى من العبد. وهي إحدى أهم أبرز لوازم الإنسانية وخصائصها وحدودها. ولهذا لا يتنكّب عنها إلّا من خرج عن هذا الحدّ ورضي لنفسه بالبهيمية. ففي بعض الأحاديث أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: «ألا يخافنّ أحدكم إذا حوّل وجهه عن الصلاة أن يحوّل الله وجهه إلى وجه حمار؟»إنّ الطبيعة الإنسانية كما خلقها الله تقتضي أن يثني الإنسان على العظيم ويخضع له ويخشع أمامه. ولا يتطلّب وجود هذا الانفعال أو التفاعل التلقائيّ عملية تعليم واكتساب وتربية، لأنّه مغروزٌ فينا وممتزجٌ بفطرتنا، وإن كان للتربية دورٌ كبير في تفعيله أو صيانته.. ولأنّ الله تعالى ظاهر بعظمته وخالقيّته وإنعامه وتدبيره، فلا يُعرِض عن هذا الثناء والخضوع إلا كافر يتنكّر لهذه الحقيقة الكبرى الجلية الواضحة.. ومن المفيد أن ندرس الجهات النفسيّة التي تؤدّي إلى مثل هذا الإعراض والاستنكاف عن هذه الطبيعة الإنسانية والانحراف عنها، لما في هذا الدراسة من فهم لمجموعة من الظواهر البشرية العجيبة..فالإنسانية هي القاعدة الصلبة لانبعاث الروحانية الأصيلة وتكاملها. وكلّما انسجمنا مع إنسانيّتنا، ازدادت فرصتنا في استقبال فيوضات الروح وتجلّياتها.. وإنّما جاء الأنبياء ليعيدوا للبشر إنسانيتهم الضائعة التي هشّمتها الأنظمة الجاهلية والطاغوتية؛ وإنّما يفعل الأنبياء ذلك عبر تذكيرهم بنعم الله وآلائه..لم تكن صلاة المسلمين في بدايات الدعوة النبوية إلا بعض حركات، كالركوع والسجود؛ وشيئًا فشيئًا تلقّى المسلمون من رسول الله تفاصيل هذه الصلاة، فاقتربوا من معانيها السامية وصار ثناؤهم وخضوعهم أعلى وأرقى. فقد استطاع هذا النبيّ العظيم أن ينزّل صلاته الخاصّة التي أدّاها بين يدي ربّه في مقام قاب قوسين أو أدنى، وحين عروجه إلى أعلى مقامات القرب والوصال، وجعلها مُتاحة لكلّ مسلم يبتغي وجه الله..وإحدى الحقائق البديهية عند البشر هي أنّه لا يتجرّأ على سوء الأدب في محضر العظماء إلا من كان جاهلًا بعظمتهم ومحضرهم. وهذه الحالة هي من صفات الحمار. فقد ينهق هذا الحيوان في أي مكان بصوته الذي هو أنكر الأصوات، حتى لو كان هذا المكان أقدس مكان.لذلك، إن كان المصلّي غير مبالٍ بالمحضر الإلهيّ أثناء صلاته، وأطلق العنان لخيالاته وخواطره العبثية والباطلة التي هي بعيدة كلّ البعد عن حقيقة الثناء على الله، فإنّ هذا يشبه حال من يعبث مع جليسه في محضر السلطان العظيم الشأن؛ فمن الذي لا يُعدّ مثل هذا من سوء الأدب والإساءة ولا يستنكره أشدّ الاستنكار ولأنّ أفعالنا ترسّخ أحوالنا الباطنية والنفسية، فإذا تكرّرت مثل هذه الصلاة العابثة، فمن المتوقّع أن تترسّخ فينا حالة الحمارية هذه والعياذ بالله. وهذا ما كان النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله يحذّرنا منه. ولهذا، يكون حشر بعض الناس يوم القيامة على صورة تحسن عندها صورة البهائم وأحد الآثار الجميلة للصلاة هو التواضع لعباد الله. وهي خصلة رائعة ذات قيمة عالية وثمرة كثيرة البركة، تساهم في جعل حياتنا الاجتماعية مفعمة بالمحبة والسلام والوئام. فلا شيء يهدم أركان الأسرة والعلاقات الإنسانية مثل التكبّر والاستعلاء. وإنّما تترسّخ حالة التواضع هذه بفضل الصلاة لما في الصلاة من خضوع وتذلّل لا مثيل له. فحين يضع المصلّي جبهته التي هي أعز ما في ظاهره على تراب التذلّل لله، فهو يعلن عن إسقاط اعتزازه بخصوصياته ونفسيته وأنانيته وإنّيّته ليكون الاعتزاز فقط بالله ومن الله. ولأنّ عباد الله هم متعلّقات الله، فإنّ المصلّي الحقيقيّ يخضع ويتواضع لهؤلاء تبعًا لتواضعه وخضوعه لله، ولا يزداد بذلك إلا عزّة وكرامة. فالكرامة الحقيقية والعزّة الواقعية تنبع من الارتباط بالله. {مَنْ كانَ يُريدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَميعًا}.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى