النسخة الرقمية

«الإيمانُ قيدُ الفتكِ فلا يفتكْ مؤمنٌ»

د.علي الشندي
الزمانُ:سنة 61 هجري..والمكانُ:الكوفةُ،بيتُ هانئ بن عروة..قائلُ العبارةِ : مسلمُ بن عقيل(عليه السلام)..في الغرفةِ سريرُ عليه شُرَيكُ بن الأعورِ يعاني المرضَ وإلى جنبهِ هانئٌ بن عروة ، ويقفُ على مقربةِ السريرِ عبيدُ اللهِ بنُ زيادٍ عائداً لشُرَيكٍ في مرضهِ ، وفي زاويةٍ يقفُ مسلمُ ينتظرُ الإشارةَ المتفق عليها ليخرجَ ويقتلَ عبيدَ الله بن زياد..ظلّ شريكُ يلوح بيده معطياً الإشارة..وهو يرددُ:
ما الانتظارُ بسلمى لا تُحيوها * كأسَ المنيةِ بالتعجيلِ اسقوها
فإنْ أحستْ سليمى منكَ داهيةً * فلستَ تأمنُ يوماً مِنْ دواهيها
لكنّ مسلماً لمْ يخرجْ أبدا… ولمّا أحسَ ابن زياد بالخطرِ أسرعَ بالخروج..!فلمّا عتبَ شريك على مسلم لعدمِ قتلهِ ابن زيادٍ ؟أجابهُ مسلمٌ : منعني من قتلِهِ حديثٌ يتحدث الناس بهِ عنْ رسولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله):( الإيمانُ قيدُ الفتكِ ، فلا يفتكْ مؤمنٌ)بمعنى أنّ الغدرَ يمنعُهُ الاسلامُ ؛ لأنّهُ مِنَ الأساليبِ القبيحةِ السيئةِ التي حرّمَها الإسلامُ وتأباها قيمُ العرب وكانتْ فرصةً ذهبيةً بالمنطقِ العسكريّ ، وحساباتِ النصرِ الماديّ ؛ لأنّ قتلَ عبيدِ اللهِ سيغيرُ مسيرةَ القضيةِ الحسينيةِ ونتائجِها قطعاً ؛ لأنّ هذا السفاكَ تمكنَ مِنْ قَلْبِ معادلةِ ولاءِ الكوفةِ بسياسةٍ خبيثةٍ تقومُ على الترغيبِ والترهيب ِ، وانتهتْ البيعةُ وضجيجُ الآلافِ بسحبِ جثتي مسلمٍ وهانئٍ في الأسواقِ ، ومِنْ ثَمّ تعبئةُ الكوفةِ وخروجِها لقتلِ الحسينِ وذبحِ أطفالِهِ وسبيّ نسائِهِ.وهذا درسٌ وثقافةٌ إسلاميةٌ نتعلمُها مِنْ عاشوراءِ الحسينِ..ومسلمُ بن عقيلٍ ليس رجلاً عادياً ، بل هو خريجُ مدرسةِ أميرِ المؤمنين عليٍّ(عليه السلام)،وتلميذٌ ورفيقُ دربٍ وسلاحٍ للإمامين السبطين:الحسن والحسين(عليهما السلام)، ولا يمكن أنْ يقعَ في مثلِ هذا الخطأ الكبيرِ ، فيعمدُ إلى وسيلةٍ خبيثةٍ محرمةٍ منْ أجلِ الوصولِ إلى غايتهِ النبيلة..ويروى أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)،في حصارهِ لإحدى حصونِ اليهود ، وقدْ طالَ حصارُها ، أشارَ عليه بعضُ المسلمين بأنّ لليهودِ عينَ ماءٍ يشربون منها ، فلو ألقينا فيها السمَّ أهلكناهُم وخرجوا صاغرين!فرفض النبيُّ الأكرمُ هذا الأسلوبَ اللا إنساني ، وحذّرَ أصحابهُ من تلكَ الأساليبِ ، وكتبَ اللهُ النصرَ للمسلمينَ بإيمانِهم وعزمِهم وصمودِهم..والحقيقةُ إنّ هذا المنهجَ أضحى غريباً في زمنِنا ، فشُطّارُ السياسةِ ، وأصحابُ المبادئ الرخيصةِ ، وأهلُ الحذلقةِ يتحدثون عنْ الذكاءِ السياسيّ ، وتبدلات الزمان، والواقعية البراكماتية ، وأنصاف الحلول ، حتى اختلطت الأمور وباتت قاعدة(الغاية تبرر الوسيلة)شعارا وعملاً عند بعضهم ، وخرجتْ إلينا ثقافةُ الجيلِ المظلومِ،والطائفة المظلومةُ،والجماعةُ المتضررةُ،لينتشرَ بعدها الغشُّ،وتصممُ قوانين،وتستشرى الخللُ والخطأُ في حياتنا ومؤسساتنا ، وأقولها صراحةً:هناك غشُّ في السياسةِ وخداعٌ في الانتخاباتِ،هناك غشٌّ وظلمٌ في الدوائر،هناك غشٌّ وخداعٌ في الامتحانات،بل هناك دراساتٌ وامتحاناتٌ قامتْ على الغشّ،وعليك أنْ تسكتَ لأنها تسلحُ أنصارَ الحسين(عليه السلام) بالشهادات!مُذْ كُنّا صغاراً علمونا في فلمِ الرسالةِ الذي شاهدناهُ مئاتَ المرات،أنّ النبي (صلى الله عليه وآله)،قدْ غوّر آبارَ بدرٍ،ومنعَ الماءَ عنْ أعدائِهِ كي ينتصرَ عليهم،وعلمَنا المجتمعُ المثلَ الشعبي ألف قلبه ولا غلبه) ؛ فمنَ الطبيعي أن نتحولَ إلى أساليبَ بعيدة كلَّ البعدِ عنْ منهجِ عليّ(عليه السلام)،الذي يزيحُ جيشهُ كي يسقي جيشَ معاويةَ مع أنهم كانوا قدْ منعوهم الماءَ قبلَ ساعة،وبعيدة كلّ البعدِ عن سلوكِ الإمامِ الحسينِ(عليه السلام)الذي سقى جيشَ الحرّ الرياحيّ ، و كان بإمكانِهِ أنْ يقتلَهُم عطشاً.
إنّ أهمَ ما يميّزُ نهضةَ الإمام الحسين(عليه السلام) سلامةُ الأهدافِ ، ونزاهةَ الوسائلِ والأساليبِ ، فلَمْ يروِ لنا التأريخُ موقفاً واحداً للإمام (عليه السلام) ، ولا لأهلِ بيتهِ ولا لأصحابهِ يمكن أنْ نَعُدّهُ وسيلةَ خداعٍ ، أو مكرٍ، أو وعدٍ كاذب،أو استعمال للمال لاستمالة الناس من أجل الوصولِ إلى أهدافِ ثورتِهِ ضدّ يزيد ؛ لأنّ الإمامَ ومثلُهُ الصفوةُ المجاهدةُ معه لمْ يكن النصرُ يعني لها أمراً مهماً بقدرِ أهمية تثبيتِ المبادئ وتغييرِ منظومةِ القيمِ الاخلاقيةِ التي اشاعتْها سياسةُ الأمويين ، فالحقُّ،والإيمانُ،والمبادئُ،والكرامةُ،والصدقُ ، والوفاءُ ، ومعاني الانسانية كلّها أهدافُ النهضةِ الحسينيةِ ومِنْ غيرِ المعقولِ أنْ تكون الوسائلُ الخبيثةُ والدنيئةُ مقدمةً لهذه المنظومةِ الكريمةِ في السلوكِ والاخلاقِ ومبادئ الدين الحنيف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى