النسخة الرقمية

من أخلاقيّات الحرب في الإسلام

روي عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال فيما عهد إليه: «وإيّاك والتسرّع إلى سفك الدماء لغير حلّها، فإنّه ليس شيء أعظم من ذلك تبعة»في هذه التوصية والعهد النبويّ لعليّ عليه السلام ما يفيد عظمة سفك الدماء بل فيها أمر بالتروِّي من خلال النهي عن الإسراع في ولوج الحرب، ولعلّ ذلك لإعطاء فسحة من الوقت لعلّ وسائل السلم تجد لها طريقاً، فإن كان من الثابت أنّ القتال ليس هدفاً بحدّ ذاته، وإنّما الهدف هو رفع الظلم وردّ البغي وإقامة العدل وإحقاق الحقّ، إلّا أنّ ما جرت عليه السيرة البشريّة أنّهم يلجأون غالباً، في مواجهة الحقّ وأهله، إلى أساليب القمع والضغط والسجن والتعذيب والطرد والنفي والقتل، فعندما لا يملكون الحجّة في مواجهة منطق الأنبياء والأولياء والمؤمنين يلجأون إلى ما يحترفونه من أدوات العنف..ولذا كان لسان تشريع الجهاد والقتال في الإسلام مقروناً بالإذن الذي يفيد رفع المانع أو إزالة الحظر كما في قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ إضافة إلى تضليل الإذن الإلهيّ بما ذكر من الإخراج من الديار والمظلوميّة لإيمانهم فهذا التضليل كافٍ في إثبات أنّ الأصل في نشر الدّين وإقامة العدل والأولويّة هو للوسائل السلميّة ما أتيحت..للحرب في الإسلام ضوابط وآداب وأخلاقيّات ومبادئ، نورد منها ما يلي..مراعاة الحدود الشرعيّة:قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾..لقد استفاد بعض المفسّرين من هذه الآية وجوب الامتناع عن قتل غير الجنود، وغير المقاتلين بحسب تعبير الآية، وهذا سابق على ما جاء في النصوص الدوليّة الراعية لأحكام الحرب، وأشار تعالى في آخر الآية إلى الامتناع عن الاعتداء على المدنيّين الأطفال والنساء والشيوخ، فقد أكّد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام حرمة التعرّض للنساء والأطفال، فعن جعفر بن غياث أنّه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن النّساء كيف سقطت الجزية عنهنّ ورفعت عنهنّ؟ قال: فقال عليه السلام: «لأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن قتل النساء والولدان في دار الحرب إلّا أن يقاتلن»..وقد حاول الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه استنقاذ من يمكن من معسكر ابن سعد إلى جانبه بل إنّ الإمام الحسين عليه السلام حاول حتّى مع ابن سعد ليلة العاشر من المحرّم. ففي كربلاء فقد قدم الإمام الحسين عليه السلام نموذج أبيه عليه السلام فعندما احتاج جيش الحرّ الرياحيّ للماء سقوهم وخيلهم من الماء الذي معهم، ولمّا سيطر جيش ابن سعد على الفرات منعوا الماء عن ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن أصحابه وأهل بيته. لقد قدّم الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء نموذجاً من أخلاقيّات الجهاد والقتال فهو قبل الطفّ وفي الطريق بل في بدايات خروجه من مكّة إلى العراق وعندما كان يحتاج إلى استقطاب الأنصار لبناء الجيش الذي يمكن أن يواجه جيش الظالمين، لم يستخدم كما يفعل الكثيرون أسلوب التعمية على النّاس، فلم يُمنِّهم بالنّصر، بل كانت كلمته واضحة: «من لحق بنا استشهد…».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى