دوائر الدولة تتحوّل الى «جبهات» لمعارك «البوبجي»

المراقب العراقي – سلام الزبيدي
صرخ «محمد» على زميله «عبد الله» مطالباً اياه بالتوجه الى الباب لضرب العدو، فيما لبى الأخير نداءه بصوت أعلى قائلا «سأقضي عليه بصلية واحدة»، كل ذلك جرى وعيونهم مثبتة بشاشة «الموبايل» عندما كانوا في )سكواد( مجموعة لخوض معركة محتدمة في إحدى المؤسسات الحكومية.
بهذه الصورة تحولت دوائر الدولة الى ساحات للمواجهة في معارك لعبة «البوبجي»، التي تجري فيها صراعات محتدمة بجبهة «البوشنكي» «مدينة افتراضية في اللعبة»، تستمر لساعات طوال من قبل موظفي الدولة ، تاركين الواجبات الموكلة إليهم طيلة ساعات الدوام الرسمي التي أخذت تهدر يومياً على «الألعاب الالكترونية» التي سرقت لب ملايين المتلقين وجعلتهم يدمنون عليها ، و وصل عدد مستخدميها الى عشرات الملايين.
ولم تكن لعبة «البوبجي» هي الأولى من نوعها التي حظيت باهتمام المستخدمين ، وإنما سبقها في ذلك «المزرعة السعيدة» ، اذ استمر البعض في زراعة أرضه الافتراضية لمدة وصلت الى ثلاث سنوات وأكثر ، وأصبحت مزرعته مكاناً لتسويق الحليب والخضار والخشب والفواكه ، تاركاً المهام الموكلة اليه كموظف في مؤسسة حكومية.
وجاء بعد «المزرعة» لعبة «كلاش اوف كلان»، حيث استهوت اهتمام الملايين أيضا ، ما دفع البعض للمتاجرة بها عبر عرض «كلانه» على السوق المفتوحة ومواقع التواصل الاجتماعي و وصلت أسعارها الى أكثر من 500 دولار أمريكي ، وهي الأخرى نالت اهتمام الآخرين.
ويأتي الإقبال الواسع على اللعب الالكترونية نتيجة الفراغ الذي يعيشه الغالبية العظمى من العراقيين ، اذ ان البطالة هيمنت بشكل كبير على المجتمع العراقي وارتفعت مناسيبها حتى وصلت الى أرقام مخيفة ، نتيجة قلة فرص العمل بسبب الدمار الذي حلَّ بالقطاع الخاص والارتفاع الحاصل بعدد الموظفين الذين تصل أعدادهم لأكثر من أربعة ملايين موظف و وصل عدد المبالغ المصروفة كمرتبات شهرية لهم وفقاً لإحدى الاحصائيات ما يقارب الـ(35.9) تريليون دينار عراقي ، فضلا عن المحسوبية والمنسوبية المهيمنة على جميع التعاملات، والتي رفعت معدلات الرشوة والفساد، ما جعل جيوش الخريجين تتكاثر سنة بعد أخرى ليتركوا في مواجهة مصيرهم بمفردهم.
وامتدت أذرع إخطبوط البطالة «المقنعة» الى المؤسسات الحكومية والدوائر غير المنتجة التي اعتمدت على حبس الموظف لأكثر من ست ساعات دون أي نتاج يذكر، ما اجبر غالبيتهم الى قتل وقته باللعب ومتابعة مواقع التواصل الاجتماعي.
وتعود تلك المشاكل الى قلة التخطيط وسوء الادارة التي رافقت الحكومات المتعاقبة منذ التغيير الى اليوم ، اذ تراكمت تلك الأزمات بالشكل الذي يجعلها تتخذ طريقاً مجهولاً يزداد سوداوية عاماً بعد آخر ويصعب التكهن بما سيؤول له في السنوات المقبلة.
الأمر الذي يلقي على عاتق الحكومة المقبلة المسؤولية لمواجهة تلك المشاكل و وضع الحلول الناجعة لها، بما يتعلق بالبطالة بنوعيها «المقنعة و الظاهرة» لتأثيرهما السلبي على وضع البلد.



