دين الفطرة والدعوة إلى الحوار وقبول الآخر
إنّ مقتضى الدين قائم على تطبيق تعاليمه وعلى قبول الآخر، وأن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر، وأن تتواصل البشرية والأديان بالإسلام، بحيث يكون هذا الدين أساساً ومنطلقاً في تحقيق السعادة والفوز في الدنيا والآخرة، فلا تكون هناك خسارة، ولعلّ قوله تعالى:﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[هادف إلى تبيان معنى الالتزام بهذا الدين والتعبير عنه عملياً في حياة الإنسان ليخرج به من الظلمات إلى النور، لأنه إذا لم يخرج من الظلمات بنور هذا الدين، فلن يكون له فوز، بل خسارة محققة في الآخرة إن لم تكن في الدنيا والآخرة معاً. ولكن عدم الإشارة إلى الدنيا في الآية المباركة،لا يُعطى الإنسان فرصة أن يحقق هذه الخسارة لنفسه أو للآخرين، أو أن يعمل بخلاف ما جاء في قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾[إلى غيرها من الآيات القرآنية التي تنهى الإنسان عن العدوان، وتدعوه إلى الدعوة بالحسنى..ولا شكّ في أنّ ما جاءت به الرسالات السماوية قبل القرآن ينطوي على هذا المعنى الحواري بغضّ النظر عمّا أفادته التجارب الإنسانية لجهة الادعاء بأنّ الدين هو ما تراه هذه الجماعة أو تلك، والتاريخ يذكر ما آل إليه أمر المسلمين بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من تعصّب وتفرّق وادعاءات دينية لا برهان لهم بها! وهكذا الحال كان مع الأمم السابقة على الإسلام إذ كانت كل فرقة، وكل أمّة تدّعي نهاية الدين عندها، وتمتنع عن الحوار مع الآخرين بدعوى أنّهم كفرة أو خارجون على الدين، وغالباً ما كانت النتائج السياسية والاجتماعية والثقافية متناسبة مع هذه الدعوى الباطلة..إذن، الدين هو الإسلام بما هو تسليم لله تعالى، وقد أمر الأنبياء جميعاً أقوامهم باتباع الحق، وإقامة العدل، والمجادلة بالتي هي أحسن، والتعصّب للحق والعدل، واحترام حقوق الإنسان، والتي أهمها حرية المعتقد، لأنّ مقتضى التنوع في عالمي التكوين والتشريع كما يتبيّن لاحقاً أن يتحوّل البشر وفق إرادتهم وحريّاتهم، وأن يحتكموا إلى قوانين السماء، وإلى كليّات الأديان والشرائع فيما أمرت به ونهت عنه بمعزل عن سائر التفاصيل التي راعت بها الشرائع ظروف ومعطيات الحياة الإنسانية، هذه الظروف التي خصّها الله تعالى بالشرائع المناسبة لها في ضوء إمكانيات الإنسان العقلية والنفسية، وهذا ما كانت عليه منهجية الأنبياء في تحقيق الحياة العملية للناس. أما الدين بما يختزنه من تعاليم ووصايا، وبما يدعو إليه من حوار عقلي ومنهجي، فهو مما لا يختلف عليه أحد، لأنه دين الفطرة والحوار والمحبة والتسامح والكلمة الطيبة. وقد سبق أن بينّا معنى أن تكون للإنسان كرامته وحريته من حيث هو إنسان ينتمي إلى الله تعالى ويكتفي به..إنّ الدين بما هو فطرة وبما هو انتماء إلى الله تعالى يهتف بالحوار ويدعو إليه، واختلاف الشرائع، وتعدّد المناهج والطرائق في الحياة لا يمنع من التعبير عن هذا الانتماء، الذي هو جوهر إنسانية الإنسان. وإذا كانت الشرائع قد اختلفت وتعدّدت وتباينت في أحكامها، فذلك هو أحد أوجه التعبير عن هذا الدين، الذي خصّ الله تعالى الإنسان به، ولكنه تمايز في ضوء ما كان عليه الناس من تحوّلات اجتماعية وإنسانية وثقافية..ونجد الرسالات السماوية تركّز على رفض المنهج التقليدي،الذي اعتاد عليه الناس، وهذا ما يبدو واضحاً وجليّاً في دعوة الأنبياء، وخاصة في أمثال الإنجيل والقرآن..فالحوار الديني هو من متمّمات إنسانيّة الإنسان، ومن ضرورات التحققات الاجتماعية والسياسية والثقافية للمجتمع الإنساني، وحيث انعدم هذا الحوار، كان التعصّب والنفي والجهل، وغير ذلك مما جاءت الأنبياء لتحرير العباد منه. وما لم تتحقّق المجتمعات الإنسانية بهذا الحوار الديني المنفتح، والقائم على قوانين الفطرة، وإذا لم يُحتكم إلى شرع الله تعالى فيما دعا إليه وحضّ على اتباعه، فإنّ شيئاً من التواصل الإيماني لن يتحقق، وسيبقى الإنسان رهين تعصّبه ونزواته كأنّه لا نبيٌّ جاء ولا وحي نزل.



