النسخة الرقميةثقافية

المُزينة

عبد الرقيب الطاهر ـ اليمن

 

هل صحيح أنك تعشق (المُزينة)؟ وتريد الزواج بها؟ أنتَ لست ولدي ولن أسمح لك أن تحمل اسمي بعد اليوم، سوف أتبرأ منك أمام الناس والقبيلة كلها. هل تريد أن تشوه سمعتي وسمعة القبيلة؟ هل تريدونهم أن يعيروني من أن أبني تزوج من إبنة (المُزين) الذي كان جدها يحلِق لأجدادنا في السوق لِحاهم ويختُن أطفالهم؟ هل تريدُ أن تلحق العار بي وبعشيرتك كلها؟
بعد ارتفاع صوتهِ الجهوري خالط صوتهُ غُصة من البكاء ولأول مرة أحسُ بأن أبي لم يتمالك نفسه وأراد أن يبكي، خفتُ أن يغلبه مرض السكر فيصاب بجلطة من شدة غضبه في تلك الليلة. كنتُ منكس الرأس كجندي عائد من المعركة ينبئ بأخبار الهزيمة في إحدى المعارك مع الأعداء. مرت أمي من أمامي وأشاحت بوجهها عني وهي تتمتم «يا خسارة حليبي فيك، يا خسارة التربية».
في تلك الليلة لم أشعر بطعم النوم حتى الصباح، نمتُ على قطعة من الحصير المصنوعة من سعف النخل أفترشتها وتوسدت حذائي شبه المقطع تحت رأسي على سقف غرفة صغيرة تقع وسط الوادي كان أبي يستعملها مأوى للمواشي ومحراساً من اللصوص وبعض القرود التي تداهم محاصيل الذرة في نهاية الموسم. وبتُ قلقاً وحزيناً وتمنيتُ في تلك الليلة أن أموت ولم أرَ دموع أبي الذي لأول مرة أحسستُ بغضبه وحنقه عليَّ، وهو لم يعتد مني أن أغضبه البتة.
لم أذقْ طعم النوم إلا قبل الفجر بقليل كما أظن، وفي تلك الساعة التي غشاني فيها النوم حلمتُ بكوابيس مرعبة ومفزعة لم أعد اتذكرها. لكني أتذكر ذلك الحلم الذي أفزعني من نومي وهو أني قابلتها في أسفل الطريق الراجلة المؤدية إلى حقولهم حيث كنا نتقابل عندها كل يوم قبل أن يكتشف أمرنا ويشتهر حبنا في القرية. كانت تلبس فستانها القرمزي الذي اهداهُ لها والدها في عيد ميلادها وكان يعجبني بشدة وينال إستحساني بل يزيدني هياماً بها.
وجهها المدور يشبه القمر في منتصف الشهر، اذا تبسمت بدت غمازتا وجنتيها كأنها نجمتان من نجوم الشمال، حبة الخال ما بين دقنها وثغرها تجعلني دون شعور أسكر إذا دققت النظر فيها.
كانت حزينة ولم تُكلمني برغم أني كنت أود أن أحدثها، لكني كنت كما الاخرس لا يستطيع النطق وكأننا نتحدث فقط بلغة العيون. أحسست بها تقول لي أن هذا آخر لقيانا لن نلتقي بعدها أبداً.
استيقظت مفزوعاً من منامي بسبب ذلك الحلم وصحوت وكأني ميت نُفخ فيه الروح لتو، كان الوقت فجراً ونور الصباح بدأ ينساب على الكون فأحسُ بالنور قادماً من الشرق حيث تصعد الشمس رويداً رويداً من خلف جبل عمر. صوت العصافير تزقزق وروائح الأزهار الملونة تأتي مع هبوب النسيم القادم من أسفل الوادي. سنابل الذرة التي لم تظهر عليها البذور بعد كانت تغطي بعض البيوت المتناثرة في الوادي، النحل المنتشر على الزهور وثمار الزرع كان طنينه يوحي ببهرج الصيف وجمال الأرض في مثل هذا الموسم من كل عام، ونظرت إلى القرية نظرة أخيرة وكأني أحسست فيها بحزن الدنيا على أمي الحبيبة التي لم تعتد يوماً غيابي وأحسست بأني يجب عليّ أن أرحل. وقررت الرحيل تاركاً ورأي فتاتي التي أحببتها وفرقتني بها تلك العادات والتقاليد.
بعد بضع سنوات قابلت بالصدفة ابن عمي ولم يصدق بأني مازلت حياً أرزق قال لي: بعد أن اختفيت ادعى والدك بأنك غرقت في البحر وأقام عزاءاً حضره الناس وأعيان القرية، وبعد عدة أشهر من ذلك فارقت أمك الحياة، وتزوج ابوك امرأة أخرى وأنجب منها طفلين.
كان يعلم سر حبي لتلك الفتاة التي بسببها هجرت الجميع ورحلت عنهم، لذلك أخّر الحديث عنها وكأنه لم يرد أن يفجعني مرتين، لكني لم أكن صبوراً بما يكفي وسألته مرة واحدة: قل لي، ما شأنها هي؟ هل تزوجت أحداً غيري؟
نكس رأسه وقال بحزن: بل انتحرت يا صديقي العزيز! بعد سماعها خبر موتك قذفت بنفسها في بئر القرية المهجورة، ولم ينسَ الناس شأنها حتى اليوم، ما زالوا يتذكرون مدى حبها ووفاءها لك.
لم أعد أتذكر شيئاً بعدها، كلما حاول طبيب مجمع مشفى المجانين أن يزودني بحقنة من المهدئ أتذكر فقط فستانها القرمزي وكلمات ابن عمي «انتحرت بعدك»..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى