اخر الأخبارالنسخة الرقميةتقارير خاصةسلايدر

الاستيراد العشوائي يستنزف العملة الصعبة ويعمق عجز الموازنة

في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة


المراقب العراقي / أحمد سعدون..


يشهد العراق تصاعداً ملحوظاً في حجم الاستيراد لمختلف السلع، بما فيها المنتجات الكمالية وغير الأساسية، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً مالية متزايدة وتحديات تتعلق بتأمين الإيرادات غير النفطية وتقليص العجز في الموازنة، وأن استمرار تدفق البضائع الأجنبية بهذه الوتيرة يمثل أحد أبرز أسباب استنزاف العملة الصعبة، ويضعف فرص إنعاش القطاعين الصناعي والزراعي المحليين، اللذين تراجعت مساهمتهما في الاقتصاد خلال السنوات الماضية.
وتكشف بيانات التجارة الخارجية عن اتساع دائرة الاعتماد على الأسواق الخارجية لتوفير احتياجات محلية كان بالإمكان إنتاج جزء كبير منها داخل البلاد، فقد جاء العراق ضمن أبرز الدول المستوردة للآيس كريم، إذ بلغت قيمة صادرات هذا المنتج للبلاد نحو 23.5 مليون دولار خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، في حين سجلت صادرات قطاع الحليب ومنتجات الألبان 523 مليون دولار خلال الفترة نفسها.
كما أظهرت بيانات خريطة التجارة التابعة لمركز التجارة الدولية أن واردات العراق من الأحذية والجوارب الطويلة وما شابهها وأجزائها تجاوزت 100 مليون دولار خلال الربع الأول من العام الجاري، في مؤشر يعكس استمرار الاعتماد على السلع المستوردة حتى في المنتجات التي يمكن تصنيعها محلياً إذا ما توفرت البيئة الاستثمارية المناسبة.
وفي قطاع الأغذية، تصدر العراق قائمة أكبر مستوردي الحبوب والبقوليات والبذور الزيتية والمنتجات المرتبطة بها من تركيا خلال النصف الأول من عام 2026، بعدما بلغت قيمة وارداته نحو 701 مليون و952 ألف دولار، فيما احتل أيضاً المرتبة الأولى بين الدول المستوردة من الأردن، مسجلاً واردات بلغت نحو 323 مليون دينار أردني وفق شهادات المنشأ الصادرة عن غرفة تجارة عَمّان.
ويرى مراقبون أن هذه الأرقام تعكس خللاً في السياسة الاقتصادية، يتمثل في الاعتماد المفرط على الاستيراد مقابل ضعف الإنتاج المحلي، الأمر الذي أدى إلى خروج مليارات الدولارات سنوياً من البلاد، في وقت تحتاج فيه الحكومة إلى ترشيد الإنفاق وتعظيم الإيرادات لمواجهة التحديات المالية.
وفي ذات السياق أكد الخبير الاقتصادي د. فالح الزبيدي، في حديث لـ”المراقب العراقي” أن “الحكومة تتحمل جزءاً كبيراً من مسؤولية تراجع القطاع الخاص، نتيجة غياب الخطط الداعمة للصناعة الوطنية وعدم توفير البيئة المناسبة للاستثمار والإنتاج، ما دفع الأسواق إلى الاعتماد على استيراد أبسط السلع من دول الجوار، رغم أن المنتج العراقي كان في مراحل سابقة يتمتع بقدرة تنافسية عالية.”
وأوضح أن “استمرار الاستيراد المفتوح، ولا سيما للسلع غير الضرورية، يؤدي إلى استنزاف احتياطيات البلاد من العملة الأجنبية، مؤكداً أن المرحلة الحالية تتطلب إعادة النظر بسياسة الاستيراد بما ينسجم مع الظروف المالية التي تمر بها الدولة”.
وأضاف أن “الأزمة المالية تفرض على الحكومة تبني سياسة تقشف مدروسة تقوم على تقليل استيراد السلع الكمالية، والتركيز على توفير المواد الأساسية مثل الغذاء والدواء، إلى جانب مراجعة أبواب الإنفاق العام وترتيب الأولويات بما ينسجم مع متطلبات المرحلة”.
وأشار إلى أن “دعم المنتج الوطني لا يمكن أن يتحقق بالشعارات، بل يحتاج إلى إعادة تشغيل المصانع المتوقفة، وتوفير المواد الأولية والآلات الحديثة، ومنح التسهيلات اللازمة للمستثمرين، فضلاً عن فرض إجراءات حماية مدروسة تمنح الصناعات المحلية فرصة للمنافسة داخل السوق العراقية”.
وأكد الزبيدي أن “الرقابة الحكومية على الأسواق يجب أن تتعزز بالتوازي مع تقليص الاستيراد، لمنع بعض التجار من استغلال الأوضاع ورفع الأسعار، داعياً إلى تفعيل الأجهزة الرقابية وضبط المنافذ الحدودية للحد من دخول البضائع بصورة عشوائية أو مخالفة للمواصفات”.
ولفت الى أن “معالجة أزمة الاستيراد لا تعني إغلاق الأسواق أو فرض حظر شامل على التجارة، وإنما تبني سياسة اقتصادية متوازنة تفرق بين السلع الأساسية التي يحتاجها المواطن، والسلع الكمالية التي يمكن تأجيل استيرادها أو إنتاج بدائل محلية لها”.
ومع استمرار الضغوط على الموازنة العامة، يبدو أن الحاجة باتت ضرورية لإعادة رسم السياسة التجارية للعراق، بما يحافظ على احتياطياته من العملة الصعبة، ويعزز الإنتاج الوطني، ويخلق فرص عمل، ويحُدُّ من نزيف الأموال نحو استيراد سلع لا تشكل أولوية في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى